وين وعدك؟ مو كلتِ ما أخليك وحدك؟ مو كلتِ إنچ راح تبقين يمي حتى لو كل الناس ابتعدوا، وإنچ راح تكونين الأمان بوقت خوفي، والسند بوقت ضعفي، والصوت اللي يهدّيني من تضيع كل الأصوات؟ وين كل هذا الحچي؟ وين ذيج الوعود اللي چنتِ تقولينها بكل ثقة، وكأنچ تملكين الأيام وتكدرين تمنعينها تفرّقنا؟
أنا صدقتچ، مو لأنّي ساذج، ولا لأنّي ما أعرف إن البشر تتغيّر، لكن لأنّي شفت بعيونچ شي خلّاني أطمئن. شفت بيچ وطناً صغيراً، وگلت يمكن أخيراً لگيت إنسانة ما تتركني بنص الطريق. گلت يمكن هاي المرة ما راح أرجع وحدي، وما راح أضطر ألمّ روحي من جديد بعد رحيل إنسانة كنت أظنها كل حياتي.
چنت كلما أخاف، أتذكر كلامچ: «ما أخليك وحدك». كانت هاي الجملة وحدها تكفيني حتى أواجه يوماً كاملاً من التعب. چنت أرددها بيني وبين نفسي وأبتسم، وأگول عندي إنسانة حتى لو الدنيا كلّها صارت ضدي، هي راح تظل وياي. ما چنت أعرف إن الجملة اللي طمأنت قلبي راح تصير أكثر جملة توجعني، وإن الوعد اللي عشت عليه راح يتحوّل إلى سؤال يطاردني كل ليلة: وين وعدچ؟
تركتيـني بوقت ما چنت محتاج غير وجودچ. ما طلبت منچ المستحيل، ولا طلبت منچ تغيّرين الدنيا عشاني. چنت أريدچ تبقين فقط، تسمعيني من يصير الكلام بصدري ثقيل، وتگولين لي إن كلشي راح يعدّي. چنت أريد أحس إنّي مو وحدي وأنا أحارب كل هذا التعب، لكنچ اخترتِ الغياب، وكأن كل اللي بينا كان شيئاً عابراً، وكأن قلبي ما كان بيتچ يوم من الأيام.
تدرين شنو أصعب شي؟ مو رحيلچ وحده، بل الطريقة اللي رحلتِ بيها. رحلتِ بهدوء، من دون ما تلتفتين للخراب اللي تركتيه وراچ. أخذتِ وياچ ضحكتي، راحتي، وثقتي بكل كلمة حلوة. وخليتيني أسأل نفسي: هل چنتِ صادقة يوم وعدتيني؟ لو چنتِ بس تحچين حتى أظل قريب منچ؟ هل چنتِ تحبيني فعلاً، لو چنتِ تحبين اهتمامي وخوفي عليچ وإحساسي بيچ؟
أنا ما نسيت التفاصيل. ما نسيت أول مرة گلتِ لي إنچ تخافين عليّ، ولا أول مرة حسّيت إن وجودي يفرق عندچ. أتذكر كل لحظة، وكل كلمة، وكل مكالمة طالت للصبح، وكل مرة نمت وأنا مبتسم لأن صوتچ كان آخر شي سمعته. أتذكر شلون چنتِ تحچين عن مستقبلنا، وعن الأيام اللي راح نعيشها، وعن البيت اللي راح يجمعنا. چنتِ ترسمين لي عمراً كاملاً، وبعدها اختفيتِ، وتركتيني أعيش وحدي بين أطلال هذا العمر.
أحياناً ألوم نفسي لأنّي وثقت بيچ أكثر مما لازم. أگول لو أنّي ما أعطيتچ كل هذا الحب، جان هسه وجعي أخف. لو أنّي خليت جزءاً من قلبي إليّ، جان ما بقيت فارغاً بعدچ. بس شلون الإنسان يحب بنص قلب؟ وشلون چنت أگدر أشك بيچ، وأنتِ كل يوم تأكدين لي إنچ مختلفة، وإنچ مستحيل تكونين مثل اللي مرّوا بحياتي وراحوا؟
چنتِ تقولين إنچ تعرفين معنى الخذلان، وإنچ ما راح تخليني أذوقه. لكنچ صرتِ أقسى خذلان مرّ عليّ، لأنّي ما چنت مستعداً أتلقى الوجع منچ إنتِ بالذات. كل الناس كان ممكن أتوقع منهم الرحيل، إلا إنتِ. چنت أعتقد إنچ آخر إنسانة ممكن تمد إيدها حتى تطلعني من وحدتي، وبعدها تتركني بنصها، أضيع بيها أكثر من قبل.
هسه، كلما يصير الليل، أحس بالفراغ اللي تركتيه. أفتح محادثتنا القديمة، وأقرأ كلامچ كأنّي أبحث بين السطور عن تفسير. يمكن أكو كلمة ما فهمتها، أو إشارة كان لازم أنتبه إلها. أقرأ وعودچ وأستغرب شلون الإنسان يگدر يكتب كل هذا الحب، وبعدين يعيش وكأنه ما كتب شي. شلون تگدرين تقولين لإنسان: «إنت كل حياتي»، وبعدها تكملين حياتچ بدونه بكل سهولة؟
لا تفهمين إنّي أكتب حتى أرجعچ. يمكن جزء من قلبي بعده يتمنى يسمع منچ، لكن الجزء اللي تعلّم من غيابچ يعرف إن الرجوع ما يصلّح كلشي. بعض الكسور حتى لو التأمت، تبقى آثارها واضحة. وأنا انكسرت بمكان عميق، بمكان چنت مخليچ بيه وحدچ، ومطمئن إنچ مستحيل تأذينه.
أنا أكتب لأن عندي كلاماً كثيراً ما لگى طريقه إلچ. أكتب حتى أسأل السؤال اللي يمكن ما راح تجاوبين عليه أبداً: ليش وعدتيني إذا ما چنتِ تكدرين توفين؟ ليش خليتيني أبني أماني على وجودچ وإنتِ تعرفين إنچ ممكن تختفين بأي لحظة؟ كان بإمكانچ تكونين صريحة من البداية. كان بإمكانچ تقولين إنچ عابرة، وإنچ ما تضمنين البقاء، وچنت راح أحمي قلبي منچ. لكنچ أقنعتيني إنچ دائمة، وبعدها رحلتِ.
تدرين شنو چنت أحتاج منچ؟ ما چنت أحتاج كلاماً كثيراً، ولا وعوداً أكبر من قدرتچ. چنت أحتاج صدقچ فقط. لو گلتِ لي إنچ تعبتي، جان فهمتچ. لو گلتِ إن مشاعرچ تغيّرت، جان انكسرت، بس على الأقل ما چنت راح أبقى معلّقاً بين ألف احتمال. الغموض اللي تركتيني بيه كان أقسى من الحقيقة، لأنّي كل يوم چنت أخلق لچ عذراً جديداً، وأگول يمكن ترجع، يمكن مشتاقة، يمكن الظروف أخذتها مني.
مرّت الأيام، وتعلّمت إن الغائبة لو أرادت الرجوع، تعرف الطريق. وإن الإنسانة اللي تريدك، ما تخليك تتساءل كل يوم عن مكانتك بقلبها. تعلّمت إن الوعد مو كلمة تنقال بلحظة حب؛ الوعد موقف، وصبر، وثبات بوقت الصعوبات. وإنتِ چنتِ حاضرة من كانت الأيام سهلة، لكن من احتجتچ فعلاً، صرتِ أبعد إنسانة عني.
مع هذا، ما أكرهچ. حاولت أكرهچ حتى أرتاح، لكنّي ما گدرت. يمكن لأن جزءاً مني بعده يحب النسخة القديمة منچ، النسخة اللي چانت تسمعني، وتخاف عليّ، وتوعدني بالبقاء. أنا ما أشتاق للإنسانة اللي تركتني؛ أنا أشتاق للإنسانة اللي چنت أظنها إنتِ. أشتاق للصورة اللي رسمتها إلچ بقلبي، وللأمان اللي حسّيت بيه وأنا أصدقها.
يمكن بيوم من الأيام راح تمرّين بمكان يذكّرچ بيّ، أو تسمعين أغنية چنا نحبها، أو تقرئين كلمة تشبه كلامي، وراح تتذكرين إن إنساناً كان يحبچ بصدق. إنساناً ما أراد منچ غير تبقين مثلما وعدتيه. يمكن وقتها راح تفهمين إنچ ما خسرتِ شخصاً عادياً، خسرتِ قلباً كان مستعداً يواجه الدنيا كلها يمچ.
وأنا يمكن راح أتعافى. يمكن يجي يوم أسمع اسمچ وما يرتجف قلبي، وأقرأ رسائلچ القديمة وما تنزل دموعي. يمكن أتعلم أحب نفسي مثلما أحببتچ، وأعطي روحي الأمان اللي چنت أنتظره منچ. لكن حتى لو تعافيت، راح يبقى بداخلي سؤال صغير، سؤال يحمل كل الحزن اللي ما عرفتيه:
وين وعدچ؟
مو كلتِ ما أخليك وحدك؟
ليش من صار الطريق مظلماً، تركتِ إيدي ومشيتِ؟
ليش خليتيني أواجه وحدي كل شي چنتِ توعديني إننا راح نواجهه سوا؟
بس لا تقلقين، أنا هسه بدأت أفهم. مو كل وعد ينقال لازم نصدقه، ومو كل إنسانة تدخل القلب تستحق تسكن بيه للأبد. إنتِ علمتيني درساً قاسياً، لكنّي راح أطلع منه أقوى. راح ألمّ بقاياي، وأوقف من جديد، وأصير لنفسي الإنسان اللي تمنيتچ تكونين إياه إليّ.
وراح أعيش، مو حتى أثبت لچ شي، لكن حتى أثبت لنفسي إن غيابچ مو نهاية حياتي. يمكن تركتيني وحدي، لكنّي ما راح أبقى وحدي للأبد. عندي نفسي، وعندي قلب، رغم كل كسوره، بعده يعرف ينبض. وبيوم من الأيام، راح تجي إنسانة ما تحتاج توعدني إنها ما تتركني، لأن أفعالها راح تخليني أحس بالبقاء من دون كلام.
أما إنتِ، فراح تبقين ذكرى وعد جميل ما اكتمل، وحكاية بدأت بالحب وانتهت بسؤال واحد:
وين وعدچ؟ مو كلتِ ما أخليك وحدك؟
