إليكِ أنتِ، يا من لا تختصرها المسافات، ولا تستطيع الأيام أن تجعلها غريبة عن قلبي...
أكتب إليكِ هذه الرسالة لأنني لم أجد طريقة أخرى أضع بها قلبي بين يديكِ. هناك أشياء كثيرة حاولت قولها لكِ، لكنها بقيت عالقة بين الخوف والصمت. وفي كل مرة كنت أؤجل فيها الحديث، كانت الكلمات تكبر داخلي، حتى أصبحت أثقل من أن أحملها وحدي. لذلك قررت اليوم ألا أخفي شيئًا، وأن أكتب لكِ كما لو أن هذه الرسالة هي الطريق الوحيد الذي يمكنه أن يصل بي إليكِ.
أشتاق إليكِ، لكن اشتياقي لا يشبه ذلك الحنين العابر الذي يزور الإنسان ثم ينتهي. إنه شعور يسكن يومي كله، يظهر في اللحظات التي أكون فيها وحدي، ويتسلل إليّ حتى وأنا بين الناس. أستيقظ أحيانًا وفي قلبي رغبة غريبة في سماع صوتكِ، وأمضي نهاري وأنا أتساءل كيف حالكِ، وهل أنتِ بخير حقًا، أم أنكِ تقولين ذلك كي لا تقلقي أحدًا عليكِ.
أشتاق إلى حديثنا الذي كان يجعل الوقت أقصر مما ينبغي، وإلى ضحكتكِ التي كانت تغيّر مزاج يوم كامل من دون أن تعرفي. أشتاق إلى أسئلتكِ البسيطة، وإلى اهتمامكِ الذي لم يكن صاخبًا، لكنه كان يصل إلى قلبي بوضوح. أشتاق حتى إلى اختلافنا، وإلى تلك اللحظات التي كنت أشعر فيها بالغضب منكِ، ثم أكتشف بعد دقائق أنني لا أحتمل أن يبقى بيننا شيء.
منذ ابتعدنا قليلًا، أدركت أن بعض الأشخاص لا نعرف حجم حضورهم إلا عندما يتركون مكانهم فارغًا. اكتشفت أنكِ كنتِ موجودة في تفاصيل لم أكن أنتبه إليها: في أغنية أسمعها، وفي شارع مررنا به، وفي فنجان قهوة كنت أتمنى لو نتقاسمه. أصبحت الأشياء العادية تحمل شيئًا منكِ، كأنكِ تركتِ جزءًا من روحكِ في كل مكان عرفناه معًا.
ربما تظنين أنني اعتدت الغياب، أو أن الأيام استطاعت أن تجعلني أقل تعلقًا بكِ، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. أنا فقط تعلمت كيف أخفي اشتياقي، وكيف أتابع يومي رغم ذلك الفراغ الذي تركه ابتعادكِ. تعلمت أن أضحك حين أكون بين الآخرين، وأن أجيب بأنني بخير، لكنني لم أتعلم كيف أجعل قلبي يتوقف عن البحث عنكِ.
أنا لا أكتب لكِ لأحمّلكِ مسؤولية حزني، ولا لأجعلكِ تشعرين بالذنب. أعرف أن لكل إنسان ظروفه ومعاركه التي لا يراها الآخرون، وأعرف أن بعض المسافات لا نصنعها بأيدينا. لكنني أردت أن تعرفي أن مكانكِ ما زال محفوظًا، وأن صورتكِ لم تتغير في قلبي، وأن كل ما كان بيننا لم يصبح ذكرى عادية أستطيع المرور عليها بلا شعور.
في غيابكِ، راجعت نفسي كثيرًا. فكرت في الكلمات التي كان يجب أن أقولها ولم أقلها، وفي المواقف التي كان يمكنني أن أكون فيها أكثر فهمًا وأقل عنادًا. أدركت أن الحب لا يكفي وحده إذا لم نحسن التعبير عنه، وأن المشاعر الصادقة قد تضيع أحيانًا خلف الصمت وسوء الفهم. ولأول مرة فهمت أن الاعتذار لا يقلل من كرامة الإنسان، بل يكشف مقدار حرصه على من يحب.
إن كنت قد جرحتكِ يومًا بكلمة أو موقف أو إهمال، فأنا أعتذر إليكِ من أعماق قلبي. لا أبحث عن عذر لنفسي، ولا أحاول أن أقول إنني كنت محقًا. ربما كنت متعبًا، وربما كنت خائفًا، لكن ذلك لا يلغي أنكِ تألمتِ. وأنا آسف لأنني لم أفهم ألمكِ في وقته، ولأنني تركتكِ تواجهين أسئلة كان ينبغي أن أجيب عنها بوضوح.
لم تكوني بالنسبة إليّ يومًا اختيارًا مؤقتًا، ولم أدخل حياتكِ لأملأ فراغًا ثم أغادر. كنتِ الإنسانة التي رأيت معها إمكانية أن أبني شيئًا حقيقيًا، شيئًا لا يعتمد على الحماس في البدايات وحده، بل ينمو بالاهتمام والثقة والصبر. وعندما فكرت في الأيام القادمة، كنت أراكِ فيها من دون أن أتعمد ذلك، كأن قلبي كان قد اختاركِ قبل أن أقرر.
أعلم أن العودة لا تكون بكلمة، وأن الأشياء التي تنكسر تحتاج إلى وقت طويل حتى تستعيد شكلها. لذلك لا أطلب منكِ أن تنسي كل شيء فورًا، ولا أن تثقي بوعود لم تختبريها. كل ما أتمناه أن تمنحينا مساحة صادقة للحديث، أن نضع كل ما أخفيناه أمامنا، وأن نعترف بما أخطأنا فيه من دون دفاع أو مكابرة.
أريد إن عدنا أن تكون عودتنا مختلفة. لا أريد أن نكرر الطريق نفسه ثم نستغرب وصولنا إلى النهاية ذاتها. أريد أن نتعلم كيف نتحدث قبل أن يتحول الانزعاج إلى جدار، وكيف نطلب ما نحتاج إليه بدل أن نختبر بعضنا بالصمت. أريد أن نكون أكثر رحمة حين يتعب أحدنا، وأكثر وضوحًا حين نخاف، وأكثر شجاعة حين نخطئ.
لا أعدكِ أنني سأصبح إنسانًا لا يخطئ، فهذا وعد لا يستطيع أحد الوفاء به، لكنني أعدكِ أنني لن أتعامل مع خطئي كأنه أمر لا يعنيكِ. سأستمع حين تتحدثين، وسأحاول فهم ما وراء كلماتكِ، ولن أستهين بشعور يؤلمكِ لمجرد أنني لا أشعر به بالطريقة نفسها. سأتعلم كيف أحبكِ باللغة التي تمنحكِ الأمان، لا باللغة التي أعرفها وحدي.
أريدكِ أن تشعري معي أنكِ قادرة على قول الحقيقة كاملة، حتى إن كانت مؤلمة. لا أريد منكِ موافقة دائمة، ولا ابتسامة تخفين خلفها غضبكِ. أريد قلبكِ الصادق، وأسئلتكِ، واعتراضكِ، وكل ما يجعلكِ أنتِ. فالحب الذي يقوم على التظاهر لا يعيش طويلًا، أما الحب الذي يحتمل الحقيقة فيستطيع أن ينجو من أكثر الطرق صعوبة.
لو سألتِني لماذا ما زلت متمسكًا بكِ، فسأقول لأنني حين كنت معكِ لم أشعر أنني وجدت شخصًا أحبه فحسب، بل شعرت أنني وجدت إنسانة أستطيع أن أكون أمامها نفسي. كنتِ ترينني في لحظات ضعفي ولا تجعلينني أشعر بأنني أقل قيمة، وتسمعين تفاصيل لا يهتم بها أحد، وتمنحينني ذلك النوع النادر من الطمأنينة الذي لا يصنعه الكلام الجميل وحده.
أنا لا أبحث عن الماضي كي أعيش فيه، فالماضي مهما كان جميلًا لا يكفي لبناء مستقبل. أريد أن نأخذ منه ما تعلمناه، ثم نبدأ من مكان أكثر نضجًا. أريد أن نصنع ذكريات جديدة لا تمحو القديمة، لكنها تثبت أن ما بيننا كان قادرًا على النجاة، وأننا لم نترك خطأ واحدًا يهزم كل الحب الذي جمعناه.
تخيلت كثيرًا لحظة لقائنا بعد هذا الغياب. لا أعرف ماذا سأقول أولًا، وربما ستخونني الكلمات التي أكتبها الآن بسهولة. قد أكتفي بالنظر إليكِ، فأنا أعرف أن عيني ستقولان ما عجز عنه لساني طويلًا. وربما سأخبركِ ببساطة أنني اشتقت إليكِ أكثر مما ينبغي، وأن الأيام من دونكِ كانت تمضي، لكنها لم تكن كاملة.
أتمنى أن نمشي معًا من جديد، لا لأن الوحدة أخافتنا، بل لأننا اخترنا بعضنا بوعي. أتمنى أن نستعيد الضحكات التي فقدناها، وأن نخلق لأنفسنا عالمًا صغيرًا نحتمي فيه من قسوة الأيام. أريد صباحات لا تبدأ بالشك، وليالي لا تنتهي بالعتاب، وقلبين يعرف كل منهما أن الآخر لن يختفي عند أول صعوبة.
وإن كانت المسافة بيننا ما زالت طويلة، فسأحترم الوقت الذي تحتاجين إليه. لن أضغط عليكِ، ولن أجعل حبي قيدًا حول قلبكِ. الحب الحقيقي لا يجبر أحدًا على العودة، بل يفتح له الباب ويبقى صادقًا في انتظاره. وأنا سأترك الباب مفتوحًا لكِ، لا لأنني عاجز عن المضي، بل لأنني أؤمن أن بعض الأشخاص يستحقون أن نمنح الحكاية معهم فرصة أخرى.
ربما لا أعرف ما الذي ستقررينه بعد قراءة رسالتي، لكنني أعرف ما أريده أنا. أريدكِ بقربٍ لا يستهلككِ، وبحبٍّ لا يخيفكِ، وبعلاقة تحفظ كرامتنا معًا. أريد أن أكون الرجل الذي حين تفكرين فيه تشعرين بالأمان، لا بالحيرة، وأن يكون اسمي في قلبكِ مرتبطًا بالصدق لا بالخذلان.
فإن عدتِ، ستجدينني أكثر فهمًا لما يعنيه وجودكِ في حياتي. ستجدين رجلًا عرف من الغياب أن الحب لا يُؤجل، وأن الكلمات الجميلة يجب أن تُقال في وقتها، وأن الإنسان لا ينبغي أن يتعامل مع من يحب كأنه سيبقى مهما حدث. سأقدّر حضوركِ كما يستحق، وسأحمي ما بيننا بالأفعال قبل الوعود.
وإن احتجتِ إلى وقت أطول، سأدعو لكِ بالسلام في كل يوم. لأنني أحبكِ بما يكفي لأتمنى راحتكِ، حتى حين لا أكون جزءًا منها. لكن شيئًا عميقًا في داخلي يخبرني أن حكايتنا لم تنتهِ بعد، وأن هذا البعد ليس النهاية، بل فاصلة طويلة في رسالة ما زال أمامها كلام كثير.
لذلك سأبقى مؤمنًا بأن الطرق التي أبعدتنا قادرة يومًا على إعادتنا. ومهما أخذتني الحياة بعيدًا، سيظل في قلبي اتجاه واحد لا أنساه؛ الاتجاه الذي يؤدي إليكِ.
فأنتِ المكان الذي إن ابتعدت عنه اشتقت، وإن ضعت عرفت أنني سأعود إليه دائمًا.
