أشتاق إليك بطريقة لا أستطيع شرحها لأحد، وربما لا أستطيع شرحها لك أيضاً. فالكلمات، مهما اتسعت، تبدو أضيق من أن تحمل كل هذا الحنين. أشتاق إليك كأنني تركت جزءاً مني عندك، ثم مضيت محاولاً أن أعيش بما تبقّى، لكنني في كل يوم أكتشف أن الجزء الذي أخدته معك كان الأهم.
منذ غيابك، تغيّرت أشياء كثيرة، ومع ذلك بقي كل شيء في مكانه. ما زالت الشمس تدخل من النافذة نفسها، وما زالت الشوارع تمتلئ بالناس، وما زالت الأيام تمضي كأنها لا تعرف أن أحداً غاب. وحدي كنت أرى الفرق. كنت أشعر بأن العالم، رغم ازدحامه، أصبح أكثر فراغاً، وأن الأماكن التي عرفتك فيها فقدت معناها بعدما لم تعد موجوداً فيها.
أحياناً أمسك هاتفي من دون سبب، أفتح محادثتنا، وأقرأ كلمات قديمة كأنني أبحث بينها عن شيء فاتني. أتوقف عند رسائلك القصيرة، عند ضحكاتك المكتوبة، وعند تلك التفاصيل الصغيرة التي لم أكن أعرف أنها ستصبح يوماً كنوزاً أعود إليها كلما اشتدّ بي الغياب. أقرأها ببطء، لا لأنني نسيتها، بل لأنني أحفظها أكثر مما ينبغي، وأعرف أين كنت سعيداً، وأين حاولت أن تخفي حزنك، وأين كتبت لي وأنت تنتظر مني أن أفهم ما لم تقله.
كل شيء يذكّرني بك؛ أغنية مررنا بها ذات مساء، رائحة قهوة تشبه صباحاتك، طريق طويل تمنيت لو كنت إلى جانبي فيه، وحتى المطر الذي أحببناه معاً صار يحمل شيئاً من صوتك. لم أعد أرى الأشياء كما هي، بل كما كانت حين كنت معي. وكأنك تركت صورتك فوق تفاصيل حياتي كلها، فلم يعد ممكناً أن أنظر إلى شيء من دون أن أراك فيه.
لا أعرف إن كنت تشعر بهذا الاشتياق أيضاً، أم أن المسافة كانت رحيمة بك أكثر مما كانت بي. لا أعرف إن كنت تتذكرني فجأة وأنت منشغل، أو يمر اسمي في بالك حين ترى شيئاً أحببناه معاً. أتساءل أحياناً: هل تفتح محادثتنا ثم تغلقها؟ هل تكتب شيئاً وتمسحه؟ هل يوقظك الحنين في منتصف الليل كما يفعل بي؟ أم أنني وحدي ما زلت واقفاً عند آخر لحظة جمعتنا، بينما واصلت أنت طريقك؟
صدقني، لم أكن أريد أن يتحول وجودك إلى ذكرى. كنت أريدك جزءاً ثابتاً من أيامي، لا زائراً جميلاً مرّ بها ثم غادر. كنت أريد أن أحدثك عن الأشياء الصغيرة التي لا تستحق أن تُروى لأحد سواك؛ عن يومي المتعب، وعن موقف أضحكني، وعن فكرة أقلقتني، وعن حلم رأيته ولم أفهمه. كنت أريد أن أجدك في نهاية كل يوم، لا أن أبحث عنك في بدايات الذاكرة.
أشتاق إلى صوتك حين تنطق اسمي، وإلى طريقتك في السؤال عني، وإلى صمتك الذي كنت أفهمه من دون شرح. أشتاق إلى الأمان الذي كان يصلني منك من دون وعود، وإلى ذلك الشعور البسيط بأن هناك شخصاً في هذا العالم يعرفني حقاً. لم أكن بحاجة إلى حديث طويل معك دائماً؛ كان يكفيني أن أعرف أنك موجود، وأن المسافة بين قلبي وقلبك ليست أكبر من رسالة.
لكن الغياب علّمني أن بعض الأشخاص لا يتركون فراغاً عادياً، بل يأخذون معهم شكل الحياة الذي اعتدناه. منذ رحيلك وأنا أحاول أن أرتب أيامي من جديد، لكن شيئاً ما يبقى ناقصاً مهما حاولت. أضحك، أتحدث، أخرج، وأبدو بخير، إلا أن داخلي يسأل عنك في أكثر اللحظات هدوءاً. وحين ينتهي ضجيج اليوم، أجلس وحدي وأشعر بأن كل ما نجحت في إخفائه أمام الآخرين يعود دفعة واحدة.
كم مرة تمنيت أن أرسل لك: «اشتقت إليك»، ثم تراجعت؟ ليس لأنني لا أريدك أن تعرف، بل لأنني أخشى أن تصل كلماتي إليك باردة، بينما خرجت من قلبي مشتعلة. أخشى أن تقرأها سريعاً وتمضي، وأن أظل أنا أنتظر جواباً يعيد إليّ شيئاً من روحي. لذلك أصمت، لا كبرياءً، بل خوفاً من أن أعرف أن الحنين الذي يسكنني لا يجد مكاناً مماثلاً له داخلك.
ومع ذلك، لا ألومك. ربما كانت لك أسبابك التي لم أعرفها، وربما أتعبتك الحياة كما أتعبتني، وربما ظننت أن الابتعاد هو الخيار الأقل ألماً. لكنني أتمنى لو أنك أخبرتني قبل أن ترحل أن الغياب سيكون بهذا الثقل. كنت سأحفظ صوتك أكثر، وأطيل النظر إليك، وأتوقف عند التفاصيل التي مررت بها سريعاً ظاناً أن أمامنا وقتاً طويلاً. لم يخبرني أحد أن بعض اللقاءات الأخيرة تتنكر في هيئة أيام عادية.
تعرف ما يؤلمني أكثر؟ أنني ما زلت أؤجل أشياء كثيرة حتى تعود. هناك كلمات لم أقلها، وأماكن أردت أن نذهب إليها، وأحاديث كاملة أعددتها لك في رأسي. ما زلت حين يحدث شيء جميل أفكر في الطريقة التي سأحكيه بها لك، ثم أتذكر أنني لم أعد أعرف إن كان يحق لي أن أكتب إليك. فأحتفظ بالحكاية داخلي، وتصبح الأشياء الجميلة ناقصة لأنها لم تصل إليك.
لا أطلب منك وعداً كبيراً، ولا عودة تشبه المعجزات. أريد فقط لحظة صادقة تخبرني فيها: هل ما زال لي مكان في قلبك، ولو كان صغيراً؟ هل بقي منّي شيء يقاوم النسيان؟ إن كنت قد مضيت حقاً، قلها بوضوح، لعل قلبي يتعلم كيف يلحق بك. وإن كنت تشتاق إليّ ولو قليلاً، فلا تدع المسافة تكبر أكثر. بعض العلاقات لا تنتهي لأن الحب انتهى، بل لأن كلاً من الطرفين انتظر الآخر حتى ضاع الطريق بينهما.
أما أنا، فما زلت هنا. لا أنتظر حياتي كلها، لكنني أنتظر تلك الإجابة التي تأخرت كثيراً. أحاول أن أكون بخير، وأتعلم كيف أعيش من دون أن أفتش عنك في كل وجه، لكن اشتياقي إليك لم يصبح أخف؛ لقد أصبح أكثر هدوءاً فقط. صار يجلس بجانبي مثل صديق قديم، يرافقني في الطرقات، ويسهر معي، ويذكّرني بك حين أظن أنني نجحت في الانشغال عنك.
وإن سألتني يوماً عن شعوري بعد كل هذا الغياب، فلن أعاتبك ولن أقول الكثير. سأنظر إليك طويلاً، ثم أخبرك بالحقيقة الوحيدة التي لم تتغير: لقد اشتقت إليك أكثر مما ينبغي، وأكثر مما تستطيع الكلمات الاعتراف به، وأكثر مما استطاع قلبي احتماله بصمت.
