لم أكتب إليك اليوم كي ألومك على رحيلك، فالرحيل حقّ لكل من لم يعد يجد في البقاء راحته. ولم أكتب لأطالبك بالعودة، لأنني تعلمت متأخراً أن القلوب التي تحتاج إلى الرجاء حتى تبقى، لا تمنحنا الطمأنينة حين تعود. أكتب إليك لأن هناك شيئاً واحداً ما زال يؤلمني أكثر من غيابك: الطريقة التي غبت بها، وكأن كل ما كان بيننا لم يكن يستحق منك كلمة أخيرة واضحة.
كان بإمكانك أن تخبرني بأنك تعبت، أو أن مشاعرك تغيّرت، أو أن الطريق الذي جمعنا لم يعد يناسبك. كان بإمكانك أن تقول أي شيء، حتى لو كان قاسياً، فقد كنت سأحزن، نعم، لكنني كنت سأعرف أين أقف. أما أن تتركني بين الاحتمالات، أراجع كل كلمة قلتها وكل موقف حدث بيننا، وأبحث عن خطأ لا أعرفه، فذلك لم يكن عادلاً.
لم أكن أحتاج منك وعداً بالبقاء إلى الأبد؛ كنت أحتاج صدقاً يليق بكل ما منحته لك. كنت أستحق أن أعرف أن هذه هي النهاية، لا أن أظل أتعامل مع صمتك على أنه ظرف عابر، وأبحث لك عن الأعذار، وأقنع نفسي بأنك ستعود حين تهدأ أيامك. كنت أستحق ألّا أحوّل كل ليلة إلى محكمة أحاكم فيها نفسي، وأسأل: ماذا فعلت حتى أصبح وجودي ثقيلاً إلى هذا الحد؟
أتعرف كم مرة دافعت عنك أمام قلبي؟ كنت أقول إنك مشغول، وإن الحياة أخذتك مني مؤقتاً، وإنك لا تقصد هذا الجفاء. كلما تأخرت، اخترعت لك عذراً جديداً، ليس لأنني ساذج، بل لأن صورتي عنك كانت أجمل من أن أسمح للصمت بتشويهها. كنت أحمي مكانتك داخلي، بينما كنت أنت تتركها تنهار ببطء من دون أن تمد يدك لإنقاذها.
وأنا لا أعاتبك لأنك تغيّرت؛ فالإنسان يتغير، والمشاعر قد تخفت مهما كانت صادقة في بدايتها. أعاتبك لأنك شاهدتني أتمسك بشيء كنت قد قررت التخلي عنه، ولم تقل لي. تركتني أبني أملاً فوق أرض كنت تعرف أنها لم تعد موجودة. كنت ترى انتظاري، وتعرف أن كلمة منك كانت قادرة على إنهائه، ومع ذلك اخترت الصمت، ربما لأنه كان أسهل عليك، لكنه كان أقسى شيء يمكن أن تفعله بي.
لقد أخبرتني يوماً أنني أستطيع أن أطمئن إليك، فاطمأننت. قلت إنك لن تتركني حائراً، فصدّقتك. لم أطلب ضمانات، ولم أضعك تحت الاختبار، بل منحتك ثقتي كاملة لأنني ظننت أن الحب لا يعيش بنصف قلب ولا بنصف يقين. لكنك، حين قررت الابتعاد، أخذت معك أجوبة الأسئلة كلها، وتركتني وحدي أحاول فهم نهاية لم أشارك في كتابتها.
كنت ألاحظ تغيرك قبل أن تعترف به. رسائلك أصبحت أقصر، اهتمامك صار واجباً ثقيلاً، والأسئلة التي كنت تسألها بشوق صارت مجاملات باردة. كنت أشعر بالمسافة تكبر، لكنني كنت أخاف أن أسميها باسمها. وحين كنت أسألك إن كان هناك شيء، كنت تقول إن كل شيء بخير. تمنيت لو أنك لم تقل ذلك، لأن عبارة «كل شيء بخير» جعلتني أشك في إحساسي أكثر مما جعلتني أطمئن.
لو أخبرتني بالحقيقة منذ البداية، لربما خرجت من حياتك مكسوراً، لكنني كنت سأخرج محتفظاً بكرامتي وذكرياتنا الجميلة. أما الآن، فقد صار عليّ أن أتعافى من غيابك ومن الطريقة التي جعلتني بها أشعر أنني لا أستحق حتى تفسيراً. صرت أتساءل إن كنت قد عرفتني حقاً، لأن من يعرف مقدار حساسيتي تجاه الصمت لا يستخدمه ضدي، ومن يعرف خوفي من الخذلان لا يتركني أكتشفه وحدي.
لم أكن شخصاً عابراً في حياتك، أو هكذا كنت أظن. كنت حاضراً حين ضاقت بك الأيام، وسمعت ما لم يسمعه غيري، ووقفت إلى جانبك حين لم يكن الوقوف سهلاً. لم أذكّرك يوماً بما قدمته، لأنني فعلته بمحبة، لكنني اليوم أتساءل: كيف استطعت أن تنسى كل ذلك عندما اخترت الرحيل؟ كيف تحولتُ في لحظة من شخص تأتمنه على ضعفك إلى شخص لا يستحق منك جملة صادقة؟
لا تفهم عتابي على أنه محاولة لاستعادتك. لقد تجاوزت مرحلة الرجاء، ولم أعد أبحث عن باب أعيد فتحه. ما أريده هو أن تعرف أنني لم أتألم لأنك لم تخترني، بل لأنك لم تحترم قلبي بما يكفي لتخبره أنك لم تعد تريده. هناك فرق كبير بين أن نخسر شخصاً لأنه كان صادقاً معنا، وأن نخسره وهو يتركنا نتآكل داخل الأسئلة.
ربما تعتقد أن الصمت كان أكثر رحمة من الحقيقة، لكنه لم يكن كذلك. الحقيقة تؤلم مرة واحدة، أما الغموض فيؤلم كل يوم بطريقة مختلفة. يجعلنا نعود إلى الماضي ونفكك تفاصيله، ونحمل أنفسنا مسؤولية أشياء لم نفعلها. يجعلنا ننتظر رسالة لن تأتي، ونفسر كل إشارة على أنها احتمال للعودة. وحين ندرك الحقيقة أخيراً، لا نحزن على النهاية وحدها، بل على الوقت الذي أهدرناه ونحن نرفض تصديقها.
لقد سامحتك على رحيلك، لكنني ما زلت أحاول مسامحتك على الطريقة. وربما يأتي يوم أفعل فيه ذلك تماماً، لا من أجلك، بل من أجل راحتي. فلا أريد أن أحمل أثرك كجرح دائم، ولا أن أجعل تجربتي معك سبباً لأشك في كل شخص يقترب مني. أريد أن أتذكرك بوصفك درساً مرّ في حياتي، لا عقوبة تستمر بعد انتهائك.
تعلمت منك أن الكلمات الجميلة لا تكفي ما لم تحمها الأفعال، وأن من يريد البقاء لا يضعنا دائماً في مواجهة الشك. تعلمت ألّا أبحث عن الأعذار لشخص يرى قلقي ولا يحاول طمأنتي، وألّا أتشبث بمن يجعلني أشعر أن مطالبة قلبي بالوضوح عبء. وتعلمت، قبل كل شيء، أن الحب الذي يكلّفني كرامتي ليس حباً يليق بي.
أنا اليوم لا أكرهك، وربما هذا ما سيصعب عليك فهمه. ما زال في داخلي امتنان لبعض الأيام التي منحتني إياها، لكن الامتنان لا يعني أنني نسيت الألم. أستطيع الاعتراف بأنك أسعدتني يوماً، وفي الوقت نفسه أقرّ بأنك آذيتني في النهاية. فالأشخاص ليسوا خيراً كاملاً ولا شراً كاملاً، لكنهم مسؤولون عن الأثر الذي يتركونه في قلوب من وثقوا بهم.
لن أسألك لماذا رحلت بعد الآن، ولن أنتظر منك إجابة تأخرت حتى فقدت معناها. سأجمع ما بقي مني وأمضي، لا لأنني لم أعد أشعر، بل لأنني بدأت أشعر بنفسي أيضاً. سأمنح قلبي الوقت الذي يحتاجه، وسأتعلم أن غيابك لم يكن دليلاً على نقصي، بل دليلاً على أنك لم تعرف كيف تنهي ما بدأته بشجاعة.
وإذا التفتَّ يوماً إلى الماضي وتذكرتني، أتمنى أن تتذكر أنني لم أطلب منك المستحيل. لم أطلب أن تحبني رغماً عنك، ولا أن تبقى وأنت غير سعيد. كل ما أردته منك كان كلمة صادقة تحميني من هذا الضياع.
فأنا لم أكن أستحق وعداً كاذباً، ولم أكن أستحق انتظاراً بلا نهاية. كنت أستحق الحقيقة، مهما كانت موجعة، وكنت أستحق وداعاً واضحاً يليق بقلب أحبك بصدق.
كنت أستحق الوضوح.
