لم أحبك لأنك كنت الشخص الأكثر كمالاً، ولا لأن حياتي كانت ناقصة وتحتاج إلى أحد ليملأ فراغها. أحببتك لأنك حين دخلت حياتي لم تحاول أن تغيّرني أو تعيد تشكيل قلبي بالطريقة التي تناسبك. اقتربت مني بهدوء، وفهمت خوفي قبل أن أشرحه، واحترمت صمتي حين لم أستطع الكلام. كنت مختلفاً عن كل الذين مرّوا قبلك؛ لم تجعلني أشعر بأن عليّ أن أكون شخصاً آخر كي أستحق محبتك.

معك اكتشفت أن الحب الحقيقي ليس تلك الكلمات الكبيرة التي تُقال في لحظات الحماس، بل التفاصيل الصغيرة التي تتكرر كل يوم من دون ضجيج. هو أن تسألني إن كنت بخير، ثم تنتظر الإجابة بصدق. أن تتذكر الأشياء التي أخبرتك بها عابراً، وأن تلاحظ تغير صوتي حتى لو قلت لك إن كل شيء على ما يرام. هو أن تبقى قريباً حين تضيق بي الحياة، من دون أن تطلب مني تفسيراً كاملاً لما أشعر به.

أحببت فيك أنك لم تجعل الحب ساحة اختبار. لم تتركني أبحث بين كلماتك عن معنى خفي، ولم تدفعني إلى التساؤل كل ليلة إن كنت ما زلت تريدني. كنت واضحاً بقدر ما يحتاجه قلبي ليطمئن، وصادقاً حتى حين كانت الحقيقة صعبة. منحتني شعوراً لم أعرفه من قبل؛ أن أكون قريباً من شخص من دون أن أخاف من خسارته عند أول اختلاف.

حين أكون معك، لا أشعر بأنني مضطر إلى إخفاء الأجزاء المتعبة مني. أستطيع أن أحدثك عن قلقي من دون أن أخشى أن تراني ضعيفاً، وأن أعترف بأخطائي من دون أن تستخدمها ضدي في يوم آخر. أستطيع أن أكون صامتاً، مرتبكاً، أو مثقلاً بما لا أعرف كيف أصفه، ومع ذلك أبقى محبوباً في عينيك. وهذا وحده كان كافياً ليجعلني أدرك أنني لم أحب شخصاً فقط، بل وجدت مكاناً آمناً أستطيع أن أعود إليه كلما أتعبني العالم.

لا أعرف متى أصبحت جزءاً من تفاصيل يومي إلى هذا الحد. ربما حدث ذلك في المرة الأولى التي رغبت فيها بأن أخبرك بخبر جميل قبل الجميع، أو في الليلة التي كان فيها صوتك الشيء الوحيد القادر على تهدئتي. ربما حين بدأت أراك في خططي من دون أن أقصد، وأفكر في المستقبل بصيغة تجمعني بك. كل ما أعرفه أن وجودك لم يعد أمراً عابراً، بل أصبح عادة جميلة لا أريد الشفاء منها.

أحب صباحاتي حين تبدأ برسالة منك، ولياليَّ حين ينتهي ضجيجها بصوتك. أحب الأحاديث العادية التي لا تتحدث عن شيء مهم، لكنها تصبح مهمة لأنك طرفها الآخر. أحب ضحكتك حين تفاجئك كلماتي، وطريقتك في نطق اسمي، وهدوءك حين تحاول أن تخفي غضبك. أحبك في لحظاتك المرتبة، وفي فوضاك التي لا يراها سواي، وفي محاولاتك المستمرة لأن تكون بخير حتى حين تكون متعباً.

ولأنني أحبك، لا أريد أن أقدّم لك وعوداً مثالية لا يستطيع بشر الوفاء بها. لن أقول إننا لن نختلف، أو إن الحزن لن يجد طريقه إلينا. ربما تأتي أيام لا نفهم فيها بعضنا بسهولة، وربما تثقلنا الحياة حتى نقلل الكلام. لكنني أعدك بشيء أصدق: ألّا أترك الخلاف يهدم ما بنيناه، وألّا أستخدم صمتك سلاحاً ضدك، وألّا أجعلك تخاف من خسارتي كلما مررنا بيوم صعب.

سأحاول أن أختارك حتى في الأيام التي يصبح فيها الحب مسؤولية، لا شعوراً جميلاً فقط. سأجلس معك حين نختلف، وأستمع إليك كي أفهمك، لا كي أبحث عن إجابة أنتصر بها. سأعتذر حين أخطئ، ولن أجعل كبريائي أكبر من قلبك. وإن شعرت يوماً بأن المسافة بدأت تكبر بيننا، فسأقترب وأتحدث، لأن ما بيننا يستحق المحاولة ولا يستحق أن يموت بسبب أشياء لم نقلها.

لا أريدك مثالياً؛ أريدك حقيقياً. أريدك أن تخبرني حين تتعب، وحين تخاف، وحين تحتاج إلى مساحة تستعيد فيها نفسك. لا تحمل أحزانك وحدك ظناً منك أنك تحميني، فأنا لا أريد الوقوف إلى جانب صورتك القوية وحدها؛ أريد أن أكون معك بكل حالاتك. أحب قوتك، لكنني أحب أيضاً الإنسان الذي يختبئ خلفها ويحتاج أحياناً إلى من يقول له: لست وحدك.

لقد جعلتني أؤمن أن الطمأنينة يمكن أن تكون شكلاً من أشكال الحب. قبل أن أعرفك، كنت أظن أن الحب الحقيقي يجب أن يكون عاصفة تقتلع كل شيء، لكنك جئت مثل بيت دافئ بعد طريق طويل. لم تأخذ مني سلامي، بل أعدته إليّ. لم تجعل قلبي يركض خلفك، بل جلست بجانبه حتى اطمأن. لم تربطني بك بالخوف، بل جعلتني أختارك بحرية في كل مرة.

لهذا لا أخشى أن أقول إنني أحتاج إليك، فحاجتي إليك لا تعني أنني عاجز عن الحياة من دونك. أستطيع أن أمضي وحدي، لكن الحياة بقربك تصبح أكثر دفئاً، والأيام العادية تحمل معنى أجمل. أنت لا تكمل نقصاً فيّ؛ أنت تشاركني اكتمالي، وتضيف إلى عالمي نافذة يدخل منها الضوء حين يطول الظلام.

أحبك لأنك تعرف أنني لا أحتاج دائماً إلى الحلول. أحياناً أريد فقط أن أتكلم بينما تمسك بيدي، وأن أشعر بأن أحداً يسمع ما لم أستطع قوله بوضوح. وأنت تفعل ذلك من دون أن تملّ من تشابك أفكاري. تمنحني الوقت، وتصغي إلى قلبي، ثم تقول كلمات قليلة تشبه المفتاح الذي يفتح نافذة في غرفة مغلقة.

وإن سألتني ماذا أريد من هذه العلاقة، فلن أطلب حياة خالية من المشكلات. أريد حياة حقيقية نعيشها معاً؛ صباحات بسيطة، وأياماً مزدحمة، ومواقف نختلف فيها ثم نعود أكثر فهماً. أريد أن نكبر من دون أن يكبر الجفاء بيننا، وأن تتغير ملامحنا ويبقى كل منا قادراً على رؤية الشخص الذي أحبه أول مرة في وجه الآخر.

أريد أن نصنع ذكريات لا تحتاج إلى أماكن فاخرة كي تكون جميلة. كوب قهوة نتقاسمه في صباح هادئ، طريق طويل نتحدث فيه عن كل شيء، ونافذة نقف أمامها نراقب المطر. أريد تفاصيل تشبهنا، بسيطة وصادقة، نستعيدها بعد سنوات فنبتسم لأننا عرفنا كيف نحول الأيام العادية إلى حياة تستحق أن تُعاش.

وإذا جاء يوم وشعرت فيه بأنك لست في أفضل حالاتك، تذكر أنني لا أحب النسخة السهلة منك وحدها. أحبك حين تضحك وحين يصعب عليك الكلام، حين تنجح وحين تخذلك محاولاتك. لن أقيس قيمتك بما تحققه، ولن يقلّ مكانك في قلبي لأنك تعثرت. سأذكّرك بنفسك كلما أنساك التعب من تكون.

ربما لا أستطيع أن أحميك من كل شيء، لكنني أستطيع أن أعدك بأنك لن تواجه الأشياء وحدك ما دمت قادراً على الوقوف إلى جانبك. سأكون اليد التي تبحث عنها حين يزدحم الطريق، والصوت الذي يذكّرك بأن الغد يحمل فرصة أخرى. وحين أضعف أنا، أعرف أنك ستكون المساحة التي أستطيع أن أستريح فيها من دون أن أخجل من تعبي.

أنت لست مجرد شخص أحبه؛ أنت الهدوء الذي وجدته بعد سنوات من القلق، والصدق الذي جعلني أتوقف عن الشك، والدفء الذي أعود إليه حين يبرد كل شيء من حولي. أنت الشخص الذي لا أحتاج أمامه إلى ترتيب كلماتي أو إخفاء ندوب قلبي.

ولهذا، إن سألني أحدهم يوماً أين أشعر بأنني أنتمي، فلن أذكر مدينة أو بيتاً أو شارعاً. سأفكر في عينيك، وفي صوتك، وفي يديك حين تحتضنان خوفي بهدوء. ثم سأقول بكل يقين:

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق