إليكِ أنتِ، يا من جعلتِني أعيد النظر في كل ما كنت أظنه عن الحب...

قبل أن أعرفكِ، كنت أعتقد أنني لا أخاف من الحب، وأن قلبي قادر على الاقتراب والابتعاد من دون أن يتأثر كثيرًا. كنت أظن أنني أستطيع التحكم في مشاعري، وأنني سأغادر متى شعرت بأن وجودي مع شخص ما قد يجعلني ضعيفًا. لكنكِ جئتِ، وفهمت للمرة الأولى أن الخوف الحقيقي لا يبدأ حين نكره، بل حين نحب إنسانًا إلى درجة يصبح فقدانه احتمالًا مؤلمًا.

لم أخف منكِ يومًا، بل خفت من مكانكِ في قلبي. خفت من الطريقة التي أصبحتِ بها قادرة على تغيير يومي بكلمة واحدة، ومن الاشتياق الذي كان يبدأ بعد دقائق من انتهاء حديثنا. خفت عندما وجدت نفسي أشارككِ أشياء لم أكن أخبر بها أحدًا، وحين بدأت أراكِ في خططي القادمة من دون أن أقرر ذلك. كنتِ تتقدمين داخل حياتي بهدوء، بينما كنت أحاول إقناع نفسي بأن الأمر لا يزال بسيطًا.

لكن وجودكِ لم يكن بسيطًا، ولم تكوني عابرة. كنتِ أول امرأة أشعر معها بأنني أريد البقاء أكثر مما أريد حماية نفسي. كلما حاول خوفي أن يدفعني إلى الخلف، كان قلبي يختاركِ من جديد. وكلما أقنعت نفسي بأن الابتعاد أكثر أمانًا، كنت أكتشف أن الأمان الحقيقي هو ذلك الشعور الذي أجده بقربكِ.

ربما بدا لكِ ترددي أحيانًا كأنه عدم اهتمام، وربما فهمتِ صمتي على أنه برود. لكن الحقيقة أنني كنت أحاول استيعاب ما يحدث في داخلي. كنت أخشى أن أقول لكِ كل ما أشعر به، فتملكي القدرة على إيذائي، وأخشى في الوقت نفسه أن أبقى صامتًا، فأخسركِ قبل أن تعرفي مقدار حبّي لكِ.

لذلك أكتب الآن بلا أقنعة ولا محاولات للهروب. أحبكِ. أحبكِ بصدق يجعلني مرتبكًا أحيانًا، وبعمق لم أستعد له، وبقلب لم يعد يريد أن يتظاهر بأنكِ لا تعنين له كل هذا. أحبكِ، ومعكِ أريد أن أتعلم أن الشجاعة لا تعني ألا نخاف، بل أن نختار ما نحبه رغم خوفنا.

أنتِ لم تطلبي مني أن أكون شخصًا آخر، ولم تضغطي عليّ كي أتحدث قبل أن أكون مستعدًا. منحتِني وقتي، واقتربتِ من قلبي بلطف، وتركتِ لي الباب مفتوحًا. وهذا ما جعلني أثق بكِ أكثر؛ لأنكِ لم تحاولي اقتحام مساحاتي المغلقة، بل وقفتِ أمامها بهدوء حتى فتحتها لكِ بنفسي.

أحب صبركِ، لكنني لا أريد أن أختبئ خلفه إلى الأبد. لا أريدكِ أن تبقي في انتظار كلمة تطمئن قلبكِ بينما أملكها وأخاف قولها. من حقكِ أن تعرفي أنكِ محبوبة، وأن مكانكِ عندي واضح، وأن وجودكِ ليس احتمالًا أؤجله، بل اختيار أتمسك به.

لهذا أقول لكِ اليوم: اخترتكِ. لم أختركِ لأنكِ مثالية، ولا لأن حياتنا ستكون خالية من الاختلافات، بل لأنني رأيت فيكِ إنسانة تستحق أن أخوض معها الطريق بصدق. اخترت قلبكِ الذي يخطئ ويعتذر، وروحكِ التي تتعب ثم تنهض، وعينيكِ اللتين لا تستطيعان إخفاء مشاعركِ مهما حاولتِ. اخترت حقيقتكِ كاملة، لا الصورة الجميلة وحدها.

اخترتكِ في الأيام الهادئة، وفي الأيام التي يثقل فيها الحديث علينا. اخترتكِ حين نضحك حتى ننسى الوقت، وحين نختلف ونحتاج إلى جهد كي نفهم بعضنا. لا أريد حبًا قائمًا على اللحظات السهلة فقط؛ أريد علاقة تعرف كيف تبقى عندما تتغير الظروف ويهدأ اندفاع البدايات.

أريد أن أتعلم معكِ معنى الطمأنينة. أن أعرف أن خلافًا واحدًا لن يدفعنا إلى الهرب، وأن كلمة غير موفقة لن تمحو كل الكلام الجميل الذي قلناه. أريد أن نستطيع الغضب من دون أن نهين، والابتعاد قليلًا من دون أن نهدد بالرحيل، والعودة إلى الحوار من دون أن يمنعنا الكبرياء.

إن شعرتِ بالخوف يومًا، أخبريني. لا أريدكِ أن تحملي قلقكِ وحدكِ وتبتسمي أمامي كي لا تزعجيني. أنتِ لا تزعجينني عندما تكونين صادقة؛ بل تمنحينني فرصة لأفهمكِ وأكون قريبًا منكِ. وحتى إن لم أملك حلًا، سأبقى معكِ إلى أن يهدأ قلبكِ، فبعض المخاوف لا تحتاج إلى حلول بقدر ما تحتاج إلى يد لا تتركنا.

وإذا لاحظتِ أنني أعود إلى صمتي القديم، ذكّريني بهذه الرسالة. أخبريني أنني وعدتكِ بألا أجعل الخوف يتحدث بالنيابة عني. اقتربي مني، واسأليني عمّا يؤلمني. قد أحتاج إلى وقت لأجد الكلمات، لكنني سأحاول ألا أغلق الباب في وجهكِ، لأنكِ لستِ عدوتي، ولأن قلبي يجب ألا يحارب الإنسانة التي أحبها.

أريد أن أبني معكِ علاقة لا يضطر فيها أي منا إلى تخمين مكانه عند الآخر. لا ألعاب، ولا اختبارات، ولا غياب مقصود لمعرفة من سيسأل أولًا. أريد وضوحًا يحفظنا من التعب. عندما أشتاق إليكِ سأقولها، وحين يزعجني شيء سأتحدث، وإذا شعرتِ بالحاجة إلى اهتمامي فاطلبيه من دون خوف؛ فالقرب ليس ضعفًا، والحاجة العاطفية ليست عيبًا.

معكِ أريد أن أنضج، لا أن أبدو كاملًا. أريد أن أتعلم كيف أعتذر قبل أن يتحول الخطأ إلى جرح، وكيف أضع نفسي مكانكِ قبل أن أحكم على رد فعلكِ. أريد أن أفهم أن نيتي الطيبة لا تلغي أثر تصرفي السيئ، وأن الحب لا يمنحني الحق في إهمال مشاعركِ.

وفي المقابل، أريد منكِ أن تنظري إلى قلبي برحمة. لا تحاسبيني على جروح لم أصنعها، ولا تجعلي أخطاء الآخرين تهمة أحملها منذ البداية. امنحيني فرصة لأثبت لكِ أنني لست من رحلوا، وأنني لا أقترب منكِ لأملأ فراغًا مؤقتًا. دعينا نبدأ من حقيقتنا نحن، لا من المخاوف التي تركها الآخرون في داخلنا.

لن أطلب منكِ أن تثقي بي ثقة عمياء، بل سأحاول أن أبني ثقتكِ بي يومًا بعد يوم. سأفعل ما أقول، وأكون واضحًا فيما أستطيع تقديمه، ولن أستخدم الوعود الكبيرة كي أغطي على أفعال صغيرة تؤلمكِ. أريدكِ أن تطمئني إليّ لأنكِ رأيتِ صدقي، لا لأنني طلبت منكِ أن تصدقيني فقط.

أتخيلنا بعد سنوات ونحن نتذكر هذه المرحلة، فنبتسم لأننا كدنا نسمح للخوف بأن يحرمنا من حكاية جميلة. أتخيلنا أكثر هدوءًا ونضجًا، نعرف نقاط ضعف بعضنا ونحميها بدل أن نستغلها. أتخيل بيتًا لا يخلو من المشكلات، لكنه لا يخلو أيضًا من الرحمة والضحك والقدرة على البدء من جديد.

لا أريد حياة مثالية معكِ؛ أريد حياة حقيقية. صباحات نتأخر فيها، وأيامًا نعود منها متعبين، وخططًا تتغير في آخر لحظة. أريد أن نختلف حول أشياء صغيرة، ثم نضحك لأننا بالغنا في أهميتها. أريد أن نتقاسم الأعباء كما نتقاسم الفرح، وألا يشعر أحدنا بأنه يقف وحده في مواجهة الحياة.

أريد أن أكون أول شخص تبحثين عنه حين يحدث لكِ شيء جميل، وآخر شخص تطمئنين إلى وجوده قبل أن تنامي. أريد أن أعرف أحلامكِ كلها، حتى تلك التي تبدو بعيدة، وأن أكون إلى جانبكِ وأنتِ تحاولين الوصول إليها. نجاحكِ لن يخيفني، وقوتكِ لن تجعلني أشعر بأنكِ لا تحتاجين إلى الحب؛ فالإنسان القوي يحتاج إلى قلب يحتضنه مثل الجميع.

وأنا أيضًا سأسمح لكِ بأن تريني كما أنا. لن أدعي أنني بخير دائمًا، ولن أخفي عنكِ لحظات ضعفي كي أحافظ على صورة الرجل الذي لا يتعب. سأثق بأن حبكِ لن يقل حين تعرفين مخاوفي، وبأنكِ لن تنظري إليّ باستخفاف إذا احتجت إلى دعمكِ. أريد علاقة يستطيع فيها كل منا أن يكون قويًا حين يقدر، وضعيفًا حين يتعب.

أعرف أن اختيار الإنسان مرة واحدة لا يكفي، فالحب اختيار يتكرر كل يوم. ولهذا سأختاركِ حين يكون مزاجي جيدًا وحين أكون مرهقًا، حين تكون الأمور سهلة وحين تتعقد. سأختار الحديث بدل التجاهل، والصدق بدل الأعذار، والاحتواء بدل القسوة. وقد أفشل أحيانًا، لكنني لن أتوقف عن المحاولة.

أنتِ لا تعرفين كم غيّرني وجودكِ. جعلتِني أرى أن القلب لا يُحمى بإغلاقه، بل باختيار من يستحق دخوله. وعندما دخلتِه أنتِ، لم تكسري شيئًا فيه؛ بل أعدتِ ترتيب الفوضى التي كنت أخفيها، وأشعلتِ نورًا في أماكن ظننت أنها ستبقى مظلمة إلى الأبد.

لهذا، إن رأيتِ في عيني شيئًا من الخوف، فلا تظني أنني أريد الرحيل. أحيانًا نخاف أكثر عندما نريد البقاء. أمسكي يدي، وذكّريني بأننا لا نحتاج إلى ضمانات كاملة كي نبدأ، بل إلى قلبين صادقين مستعدين لبذل الجهد.

أنا مستعد الآن لأن أحبكِ بوضوح، وأن أضع قلبي بين يديكِ من دون أن أخفي ارتجافه. لا لأن خوفي انتهى تمامًا، بل لأنكِ أصبحتِ عندي أجمل وأهم من كل ما أخافه.

لقد اخترتكِ وأنا أعرف أن الحب مخاطرة، وأن القرب يجعلنا قابلين للألم. ومع ذلك، لو عاد بي الوقت إلى أول لحظة عرفتكِ فيها، لاخترت الطريق نفسه، والحديث نفسه، وكل الخطوات التي أوصلتني إليكِ.

سأختاركِ مرة أخرى، وفي كل مرة، لأن قلبي حين يقف بين الخوف وبينكِ، يعرف دائمًا إلى أي جهة ينتمي.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق