إلى التي أشعر بقربها أنني عدت إلى المكان الذي أنتمي إليه، حتى لو كنت بعيدًا عن كل الأماكن التي أعرفها...
هناك أشخاص نلتقي بهم فنضيف أسماءهم إلى ذاكرتنا، وهناك شخص واحد يأتي فيغيّر معنى الذاكرة كلها. أنتِ ذلك الشخص بالنسبة إليّ. منذ عرفتكِ، لم تعودي مجرد اسم يتكرر في يومي، بل أصبحتِ الشعور الذي يصاحبني في كل مكان، والوجه الذي أتذكره عندما أحتاج إلى الطمأنينة، والصوت الذي يستطيع أن يعيد إلى قلبي هدوءه مهما كان اليوم مرهقًا.
لا أعرف كيف استطعتِ أن تصبحي قريبة إلى هذا الحد. لم تطرقي أبواب قلبي بعنف، ولم تحاولي أن تفرضي حضوركِ. دخلتِ بهدوء يشبه ضوء الصباح حين يتسلل من بين الستائر، فلا نشعر به في اللحظة الأولى، لكننا نفتح أعيننا فنجد أن الغرفة كلها قد امتلأت بالنور.
هكذا كنتِ أنتِ. لم أنتبه في البداية إلى أنني بدأت أنتظر حديثكِ، وأنني صرت أحفظ تفاصيلكِ الصغيرة. لم أدرك أن ابتسامتكِ أصبحت قادرة على تحسين يومي، وأن صمتكِ يثير قلقي، وأن غيابكِ يجعل الساعات أطول. ثم وجدت نفسي أحبكِ، وكأن قلبي عرف طريقه إليكِ قبل أن ينتبه عقلي إلى ما يحدث.
أحبكِ بطريقة تمنحني السلام ولا تسلبني نفسي. معكِ لا أشعر أنني أخوض معركة لإثبات قيمتي، ولا أنني مضطر إلى التظاهر بما لست عليه. أستطيع أن أكون أمامكِ إنسانًا عاديًا يتعب ويخطئ ويخاف، من دون أن أشعر بأن صورتي ستسقط في عينيكِ. وهذه الطمأنينة التي تمنحينني إياها أثمن عندي من آلاف الكلمات الجميلة.
في عينيكِ أرى مكانًا يمكنني أن أستريح فيه من العالم. لا أقصد أن أحملكِ مسؤولية راحتي أو أن أجعل سعادتكِ وسعادتي عبئًا على كتفيكِ، وإنما أقصد أن حضوركِ يذكّرني بأن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت تحتوي على شيء يستحق أن نتمسك به. عندما تضيق بي الطرق، يكفيني أن أعرف أن في هذا العالم قلبًا مثلكِ يفهمني.
أحب عينيكِ لأنهما لا تخفيان حقيقتكِ مهما حاولتِ. أعرف فرحكِ فيهما قبل أن تبتسمي، وأرى حزنكِ حتى عندما تقولين إنكِ بخير. أرى خوفكِ عندما تحاولين الظهور بقوة، وأرى الحب حين تتهربين من الاعتراف به. وربما لهذا أشعر أنني حين أنظر إليكِ لا أحتاج إلى كثير من الأسئلة؛ فعيناكِ تقولان ما تعجز كلماتكِ عن قوله.
أريد أن أكون الإنسان الذي لا تضطرين أمامه إلى إخفاء دموعكِ. لا أريدكِ أن تبتسمي كي تطمئنيني بينما قلبكِ مثقل. أخبريني حين تتعبين، وحين يغضبكِ شيء، وحين تشعرين بأنكِ ضائعة. لن أعدكِ بأنني سأصلح العالم، لكنني سأجلس بجانبكِ وأستمع إليكِ، وسأفعل كل ما أستطيع كي لا تمرّي بتلك اللحظات وحدكِ.
وإذا لم ترغبي في الكلام، سأحترم صمتكِ. سأبقى قريبًا من دون أن أضغط عليكِ، وأمنحكِ المساحة التي تحتاجين إليها من دون أن أجعلها مسافة باردة بيننا. أريدكِ أن تعرفي أنني موجود في الحالتين: حين تحتاجين إلى صوت يسمعكِ، وحين تحتاجين إلى قلب يجلس بجانبكِ بصمت.
أحب فيكِ قدرتكِ على النهوض بعد كل ما مررتِ به. ربما لا ترين نفسكِ قوية، لأنكِ تعرفين اللحظات التي بكيتِ فيها بعيدًا عن الجميع، لكن القوة لا تعني ألا نبكي. القوة أن نستيقظ في اليوم التالي ونحاول مرة أخرى، وهذا ما تفعلينه دائمًا. أراكِ تقاومين بطريقتكِ الهادئة، وأشعر بالفخر بكِ حتى عندما تظنين أنكِ لم تنجزي شيئًا.
لا أريد أن أكون في حياتكِ مجرد رجل يقول لكِ إنكِ جميلة. أريد أن أكون الشخص الذي يذكّركِ بقيمتكِ حين تنسينها، ويقف إلى جانب أحلامكِ، ويشجعكِ على اتخاذ الخطوات التي تخافين منها. أريد أن أراكِ تحققين ما تتمنينه، وأن أفرح بنجاحكِ كما لو أنه جزء من نجاحي.
لن أطلب منكِ أن تصغّري نفسكِ كي أبدو أكبر، ولن يجعلني تألقكِ أشعر بالخوف. المرأة التي أحبها تستحق أن تصل إلى أبعد مكان تحلم به. وإن استطعت أن أكون يدًا تساعدها في الطريق، فسأعد ذلك من أجمل أدواري في حياتها.
أريدكِ أن تحتفظي بصوتكِ، وباختياراتكِ، وبالمساحات التي تخصكِ. الحب في نظري ليس امتلاكًا، ولا يعني أن نذوب في بعضنا حتى نفقد هويتنا. الحب أن نسير معًا، ولكل منا شخصيته وأحلامه، ثم نختار في نهاية كل يوم أن نعود إلى بعضنا بقلوب حرة.
لن أحبكِ أقل عندما تحتاجين إلى وقت لنفسكِ، ولن أفسر استقلالكِ على أنه ابتعاد. سأثق بكِ، وأتمنى أن تثقي بي بالطريقة نفسها. فالثقة ليست ألا نشعر بالخوف أبدًا، بل ألا نسمح للخوف بأن يدفعنا إلى مراقبة بعضنا أو تقييد بعضنا أو الشك في كل تفصيل.
أحلم بعلاقة لا نضطر فيها إلى لعب الأدوار. لا أريد منكِ أن تتظاهري بالقوة دائمًا، ولا أريد أن أتظاهر بأنني لا أتألم. دعينا نكون صادقين حتى في ضعفنا، وأن نعرف أن الاعتراف بالحاجة لا ينتقص من كرامتنا. فما أجمل أن يجد الإنسان شخصًا يستطيع أن يضع أمامه درعه جانبًا، وهو واثق بأنه لن يُؤذى.
أريد أن أتعلمكِ كل يوم. أن أعرف ما يسعدكِ حين يكون مزاجكِ سيئًا، وما الكلمات التي تمنحكِ الطمأنينة، وما الأشياء التي تثير خوفكِ. أريد أن أحفظ أحلامكِ القديمة، والقصص التي صنعت شخصيتكِ، والأغنيات التي تعيدكِ إلى ذكريات بعيدة. ليس لأنني أريد الدخول إلى كل زاوية في حياتكِ، بل لأنني أحب العالم الذي صنعكِ.
وأريدكِ أيضًا أن تعرفيني كما أنا، لا كما أبدو أمام الآخرين. اسألي عن الأشياء التي أخفيها خلف مزاحي، وعن التعب الذي أقول إنه لا يهم. لا تسمحي لي دائمًا بالهروب إلى الصمت. ذكّريني بأنني لست مضطرًا إلى مواجهة كل شيء وحدي، وأن وجودكِ ليس للفرح فقط، بل لمشاركة الأيام حين تصبح ثقيلة.
إن اختلفنا، لا أريد أن يصبح الحب أول ما نشك فيه. قد نرى الأمر من جهتين مختلفتين، وقد نغضب، لكن ذلك لا يعني أن ما بيننا انتهى. سأحاول أن أفهمكِ قبل أن أدافع عن نفسي، وأن أتذكر أن كسب النقاش لا يساوي شيئًا إذا خسرت شعوركِ بالأمان معي.
لا أريد أن أرفع صوتي فوق صوتكِ، ولا أن أستخدم صمتكِ فرصة لأفرض رأيي. أريد حوارًا يحترمنا معًا، واعتذارًا يأتي في وقته، ومسامحة لا تُستخدم بعدها الأخطاء القديمة في كل خلاف جديد. أريد أن ننضج معًا، لا أن نؤذي بعضنا ثم نسمي ذلك حبًا.
لا أعرف ماذا تخبئ لنا السنوات، ولا أستطيع أن أعدكِ بأن الطريق سيكون سهلًا. قد تتغير الظروف، وقد نتعب، وقد تضطرنا الحياة إلى تأجيل كثير من أحلامنا. لكنني أعرف أن وجودكِ بجانبي سيجعلني أكثر قدرة على المواجهة، وأنني أريد أن أكون لكِ القوة نفسها عندما تضعفين.
أتمنى أن نصنع حياة هادئة لا تحتاج إلى أن يراها الناس كي نصدق جمالها. بيتًا بسيطًا تسكنه المودة، وصباحات نبدأها بالدعاء والقهوة، وأمسيات نحكي فيها عن أيامنا. أريد أن نضحك على أمور لا يفهمها سوانا، وأن تكون لنا عادات صغيرة لا يعرف قيمتها إلا قلبانا.
أتخيلنا بعد سنوات وقد تغيرت ملامحنا، لكن نظرتي إليكِ بقيت كما هي. ربما يشيب شعري، وتظهر آثار العمر على وجهكِ، لكنني سأرى فيكِ المرأة التي منحتني أول شعور حقيقي بالوطن. سأظل أبحث عن يدكِ حين نمشي، وأميل نحوكِ عندما تتحدثين، وأفرح حين أراكِ كأنني أراكِ للمرة الأولى.
الوطن ليس دائمًا أرضًا نولد عليها؛ أحيانًا يكون إنسانًا نشعر بقربه أننا لا نحتاج إلى الهرب. وأنتِ وطني بهذا المعنى. معكِ أشعر أنني لست غريبًا، وأن قلبي يستطيع أن يتوقف عن السفر والبحث. ليس لأنكِ تحلين كل مشكلاتي، بل لأنكِ تجعلينني أشعر أنني لن أواجهها وحدي.
إذا سألتِني عن مكاني المفضل، فلن أذكر مدينة أو منزلًا. سأقول إن مكاني المفضل هو تلك المسافة القريبة منكِ، حيث أستطيع سماع صوتكِ ورؤية عينيكِ. وإذا سألتِني عن أكثر ما أتمناه، فسأقول أن أبقى الإنسان الذي تشعرين معه بالأمان كما أشعر أنا معكِ.
أحبكِ، لا لأنكِ أجمل امرأة في أعين الناس، بل لأن عيني لم تعد تبحث عن الجمال بعيدًا عنكِ. أحبكِ لأنكِ حين حضرتِ أصبح لكل شيء معنى، وحين اقتربتِ هدأت ضوضاء طويلة كانت تسكن داخلي.
فابقَي قريبة ما دام في قربنا خير لقلوبنا. ودعيني أحبكِ بطريقة تليق بكِ؛ بصدق لا يتغير عندما تتغير الأيام، وباهتمام لا ينتهي حين تنتهي البدايات، وبوفاء يعرف أن الحب ليس كلمة نقولها مرة واحدة، بل وطن نبنيه كل يوم.
وفي كل مرة أشعر فيها أن العالم أصبح واسعًا وموحشًا، سأنظر إليكِ، وسأتذكر أن لي في عينيكِ بيتًا، وفي قلبكِ طريقًا، وفي وجودكِ وطنًا لا أريد مغادرته.
