لا أريد أن أحبّكِ كما لو كنتِ صورة معلّقة على جدار، ثابتة الملامح، لا يلامسها الزمن ولا تعبرها التجارب. أريد أن أحبكِ بوصفكِ إنسانة حيّة؛ تتبدل رؤيتها، وتنضج رغباتها، وتغادر أفكارًا كانت تؤمن بها، ثم تفتح نوافذ لم تتخيّل يومًا أنها ستقف أمامها.

أريد أن أحبكِ في جميع النسخ التي ستصنعها منكِ الحياة.

قد تستيقظين ذات صباح فلا تعود المهنة التي اخترتِها تشبهكِ، أو تكتشفين أن حلمًا أنفقتِ سنوات في مطاردته لم يعد يحرّك فيكِ شيئًا. ربما تتغير ذائقتكِ، أو تقلّ الأشياء التي تثير حماسكِ، أو تصبحين أكثر هدوءًا بعد أن كنتِ تمتلئين بالكلام. لن أضع ماضيكِ في مواجهتكِ، ولن أقول: «لم تكوني هكذا» كأن التغيّر تهمة. سأحاول أن أفهم المرأة الجديدة التي تنمو داخلكِ، بدل أن أطالبكِ بالعودة إلى نسخة انتهى وقتها.

لا أريدكِ أن تبقي كما عرفتكِ أول مرة لكي يستمر حبي. تلك الفتاة التي التقيتها ستظل عزيزة عليّ لأنها قادتني إليكِ، لكنها ليست عقدًا يلزمكِ أن تعيشي داخله إلى الأبد. من حقكِ أن تعيدي اكتشاف نفسكِ، وأن تقولي: كنت مخطئة، أو كنت خائفة، أو اخترت ما يناسبني آنذاك ولم يعد يناسبني الآن.

سيكون لي شرف التعرّف إليكِ كلما تغيّرتِ.

سأسألكِ عن أفكاركِ الجديدة بفضول المحب، لا بريبة من يشعر أن التغيير يهدد مكانه. سأصغي إلى أسبابكِ حتى إن لم أفهمها منذ البداية. وإن احتجتِ إلى وقت لتفهمي نفسكِ قبل أن تشرحيها لي، فلن أستعجلكِ. بعض التحولات تبدأ كإحساس مبهم، ثم تحتاج إلى شهور كي تجد اسمًا واضحًا، وأنا لا أريد أن أضغط عليكِ لتقدّمي جوابًا لم ينضج بعد.

قد تمرّ عليكِ أيام لا تتعرفين فيها إلى نفسكِ في المرآة. ستتساءلين أين ذهبت المرأة التي كانت تعرف ما تريد، ولماذا أصبحت القرارات البسيطة مرهقة. في تلك الأيام لن أكرر على مسامعكِ عبارات فارغة عن القوة. سأكون عمليًا: أعدّ لكِ شيئًا دافئًا، أخفف عنكِ ما أستطيع، وأذكّركِ بالمواعيد التي نسيها ذهنكِ المتعب. سأجلس قريبًا بما يكفي لتشعري بوجودي، وبعيدًا بما يكفي كي لا يتحول اهتمامي إلى حصار.

لن أطلب منكِ أن تكوني ممتنة كل لحظة. التعب يجعل الإنسان قليل الكلام، وقد يجعل ملامحه حادّة أو استجابته بطيئة. سأفرّق بين قسوة مقصودة وبين قلب مرهق فقد القدرة على التعبير. وفي الوقت نفسه، لن نستخدم الحب مبررًا لإيذاء بعضنا؛ سنعترف حين نتجاوز الحدود، ونصلح ما يمكن إصلاحه بلا استعراض ولا إذلال.

أحب أن أراكِ تنجحين، لكنني سأبقى إلى جواركِ أيضًا عندما لا يكون هناك نجاح يمكن الاحتفال به. حين تبذلين جهدًا ولا تحصدين النتيجة التي تستحقينها، وحين يسبقكِ آخرون أقل اجتهادًا، وحين تضطرين إلى البدء من نقطة حسبتِ أنكِ تجاوزتها منذ سنوات، لن أتعامل مع خيبتكِ كمحاضرة عن الصبر. سأترك لكِ حق الحزن أولًا. فالخسارة لا تصبح أخف لمجرد أن أحدهم أخبرنا بأن وراءها حكمة.

سأقول لكِ الحقيقة حين تحتاجين إليها، لكنني لن أقذفها في وجهكِ ثم أسمّي قسوتي صراحة. سأختار الوقت والنبرة والطريقة، لأن صحة الكلام لا تعفينا من مسؤولية الطريقة التي نقوله بها. وإذا رأيتكِ تتجهين نحو قرار قد يؤذيكِ، فسأشارككِ خوفي من دون أن أصادر حقكِ في الاختيار. أنتِ شريكتي، ولستِ مشروعًا أتولى إدارته.

لا أريد علاقتنا أن تكون قاعة انتظار تؤجلين فيها حياتكِ ريثما تتحقق رغباتي. لا تؤجلي دراسة تحبينها، ولا فرصة تستحق المغامرة، ولا مهارة طالما أردتِ تعلمها، فقط لأن الطريق قد يصبح أقل راحة لنا مؤقتًا. سنحسب الأمور معًا، ونخاف معًا، ثم نبحث عن حل لا يتطلب أن يختفي أحدنا كي يبقى الآخر.

وإذا جاء يوم أصبحتِ فيه أقوى مني، فلن أراكِ منافسة. وإذا احتجتُ أنا إلى كتفكِ، فلن أخجل من ذلك. قد تتبادل أدوارنا كثيرًا؛ مرة تحملين أنتِ المصباح، ومرة أحمله أنا، وفي أوقات أخرى قد نمشي في العتمة متجاورين حتى تتضح الطريق. لا يهم من أنقذ من، بل أن نخرج من العبور من دون أن نترك أحدنا خلفنا.

سيغيّر الزمن جسدكِ أيضًا. قد تترك السنوات آثارها حول عينيكِ، وقد يتبدل وزنكِ، وتبهت ملامح اعتاد الناس مدحها. لكنني لا أريد حبًا يتعامل مع الجمال كمنتج له تاريخ انتهاء. سأنتبه إلى تحولات وجهكِ كما ينتبه المرء إلى فصول مدينة يحبها؛ لا يقارن شتاءها بربيعها ليعلن أيهما يستحق البقاء، بل يرى في كل فصل حقيقة مختلفة للمكان نفسه.

وحين تنظرين إلى صورة قديمة وتقولين بحسرة إنكِ كنتِ أجمل، سأعرف أنكِ لا تحتاجين إلى نفي سريع أو مجاملة محفوظة. سأخبركِ بما أراه الآن: وجهًا عبر أكثر، وفهم أكثر، وضحك أقل سذاجة وأكثر صدقًا. سأذكّركِ بأن الجمال الذي لا تدركه الكاميرا هو ما راكمته الأيام في حضوركِ؛ طريقة إنصاتكِ، ونبرة حكمتكِ، والرحمة التي اكتسبتِها بعدما عرفتِ الألم.

ربما ستصبحين أمًّا يومًا، وربما لن يحدث ذلك. ربما تختارين بيتًا هادئًا، أو حياة كثيرة السفر، أو طريقًا لم نسمّه بعد. لا أريد أن أحب سيناريوًّا رسمته لكِ ثم أغضب إذا لم تؤدي الدور. أنا أحب الإنسانة، لا الخطة. وسنبني مستقبلنا من القرارات التي نتخذها معًا، لا من صورة جاهزة نحاول حشر حياتنا داخلها.

حتى علاقتنا نفسها ستتغيّر. لن تبقى البدايات مشتعلة بالطريقة ذاتها، ولن يكون كل لقاء مناسبة يرتجف لها القلب. ستدخل بيننا الفواتير والمواعيد والمهام والأيام التي لا يحدث فيها شيء يستحق الرواية. عندها سأبحث عن الحب في أشكاله الجديدة: في أن أترك لكِ آخر قطعة تحبينها، وفي أن أتذكر تفصيلًا قلته قبل أسابيع، وفي أن أصلح ما تعطّل قبل أن تطلبي، وفي أن أمنحكِ ساعة هادئة عندما أعرف أن يومكِ استنزفكِ.

لن أحزن لأن الحماسة تغير شكلها. فالنهر لا يفقد قيمته عندما يهدأ؛ أحيانًا يصبح في هدوئه أعمق وأكثر قدرة على حملنا. أريد أن نصل إلى محبة لا تحتاج كل يوم إلى إعلان نفسها، لأن أثرها سيكون ظاهرًا في طريقتنا في الكلام، وفي القرارات التي نراعي فيها بعضنا، وفي الأمان الذي يجعل كل واحد منا قادرًا على خوض العالم ثم الرجوع من دون خوف.

وأنا أيضًا سأتغيّر. قد أصبح أكثر صمتًا أو أكثر قلقًا، وقد أفقد أشياء أظن الآن أنها جزء ثابت مني. لا أطلب منكِ أن تتحملي كل تحول بصمت، بل أن تخبريني إن بدأتُ أبتعد عن الرجل الذي تعرفين أنه قادر على أن يكونه. أعيديني إلى نفسي بحنان، لا بإهانة. وإذا احتجت إلى مساعدة لا تستطيعين تقديمها وحدكِ، فلن أجعلكِ تشعرين بالتقصير. الشريك ليس علاجًا لكل جرح، والحب لا يلغي حاجتنا أحيانًا إلى يد متخصصة.

ما أتمناه حقًا هو أن نظل قادرين على الدهشة ببعضنا. أن أسألكِ بعد عشر سنوات سؤالًا فأسمع جوابًا لم أتوقعه، فأبتسم لأن فيكِ أراضي لم أزرها بعد. أن تنظري إليّ فتكتشفي فكرة جديدة، أو عادة تخلصت منها، أو خوفًا صرت قادرًا على تسميته. لا أريد أن نقول إننا نعرف بعضنا تمامًا ثم نتوقف عن الإصغاء؛ الإنسان أوسع من أن يُحفظ مرة واحدة.

لذلك لا تخشي أن تتغيّري أمامي. لا تخفي اهتماماتكِ الجديدة خوفًا من سخريتي، ولا ترتدي شخصية قديمة كي تضمني بقائي. إذا كان حبنا يستحق العمر، فيجب أن يكون واسعًا بما يكفي لنسختكِ القادمة، ثم للتي تليها، ولجميع النساء اللواتي ستصبحينهن من دون أن تفقدي الجوهر الذي لا يشبه أحدًا.

سأحب ماضيكِ من غير أن أسجنكِ فيه، وحاضركِ من غير أن أعتبره نهائيًا، ومستقبلكِ من غير أن أفرض عليه ملامحي.

وحين تقفين بعد أعوام أمامي، مختلفة في أشياء كثيرة، سأنظر إليكِ لا كمن فقد المرأة التي أحبها، بل كمن حظي بفرصة أن يحبها أكثر من مرة؛ في كل عمر، وفي كل تحول، ومع كل باب جديد تفتحينه في روحكِ.

لن أطلب منكِ البقاء كما أنتِ.

كل ما أرجوه أن تسمحي لي بالبقاء قريبًا، بينما تصبحين من تريدين.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق