تعلّمتُ منذ وقت مبكر أن الرجل يُسأل دائمًا عمّا يستطيع فعله، ونادرًا ما يُسأل عمّا يشعر به. أن عليه أن يجد الحل، ويحمل العبء، ويجيب بثقة، حتى عندما لا يعرف الطريق. وحين يتعب، يُفترض أن يصمت قليلًا ثم يعود وكأن شيئًا لم يحدث. لذلك أتقنتُ مع السنوات وجهًا يبدو ثابتًا، وصوتًا لا يكشف ارتباكه، وجملة جاهزة أقولها كلما سألني أحدهم عن حالي: أنا بخير.

ثم عرفتكِ، وبدأ ذلك الوجه يتعب من بقائه طويلًا.

لم تطلبي مني أن أخلع أقنعتي، ولم تحاولي فضح ما أخفيه. فعلتِ شيئًا أبسط وأعمق: عاملتِ ضعفي كأنه جزء طبيعي مني، لا عيب ينبغي إخفاؤه. حين ترددتُ أمامكِ، لم تسخري. وحين عجزت عن التعبير، لم تملئي صمتي باتهامات جاهزة. انتظرتِ حتى وجدت الكلمات، فشعرت للمرة الأولى أن الكلام لا يهدد صورتي.

مع الناس، أرتب ما سأقوله قبل أن أنطق. أحذف التفاصيل التي قد تجعلني أبدو هشًّا، وأختصر الخسارات، وأمنح القصص نهايات أكثر قوة مما كانت عليه. أما معكِ، فأريد أن أروي الحكاية كما حدثت؛ بأخطائي، وباللحظات التي لم أعرف فيها ماذا أفعل، وبالقرارات التي اتخذتها ثم ندمت عليها وأنا في الطريق.

لا أريد أن أقدّم لكِ رجلًا مصقولًا بعناية، يصلح للعرض ولا يصلح للحياة. أريدكِ أن تعرفي الإنسان الحقيقي: الذي قد ينسى أمرًا مهمًا رغم اهتمامه، والذي يصبح صامتًا حين يزدحم رأسه، والذي يحتاج أحيانًا إلى من يقول له إن الأمور لن تبقى بهذا السوء. لستُ بطلًا في رواية، ولا أملك إجابة حكيمة لكل سؤال. أنا شخص يحاول، ينجح مرة، ويتعثر مرات، ثم يجمع نفسه ويكمل.

ومعكِ لا أخجل من كلمة «لا أعرف». لا أشعر أن عليّ اختراع حل سريع كي أحافظ على مكانتي في عينيكِ. أستطيع أن أعترف بأن الطريق غامض، وأنني خائف من النتيجة، وأنني بحاجة إلى وقت كي أفهم ما أريده. أنتِ لا تنتزعين مني رجولتي حين ترين حيرتي؛ بل تعيدين إليها معناها الإنساني بعدما أثقلتها التوقعات.

أحتاج أن تعرفي أن صمتي لا يكون دائمًا ابتعادًا منكِ. أحيانًا أعود إلى العادة القديمة؛ أغلق الباب في داخلي وأحاول ترتيب الفوضى وحدي. ليس لأنني لا أثق بكِ، بل لأن جزءًا مني ما زال يظن أن طلب المساندة عبء على الآخرين. في تلك اللحظات، اقتربي برفق، لكن لا تقتحمي المكان. اسأليني مرة بصدق، ثم اتركي الباب مواربًا. سأعود حين أستطيع أن أحمل الكلام إلى الخارج.

ولا تسمحي لي في المقابل بأن أستخدم هذا الصمت ذريعة لإهمالكِ. حاجتي إلى الهدوء لا تعني أن أختفي بلا تفسير، ولا أن أترككِ تصنعين عشرات الاحتمالات. سأتعلم أن أقول: «أنا متعب، أحتاج بعض الوقت، لكن المشكلة ليست فيكِ». جملة قصيرة كهذه قد تحميكِ من قلق لم تقترفي سببًا له، وتحفظ لي المساحة التي أحتاج إليها من دون أن أؤذيكِ.

أريد أن أبكي أمامكِ إن غلبتني دموعي، من دون أن أشعر أن شيئًا سقط من قيمتي. لا أريدكِ أن تمدحيني لأنني بكيت، ولا أن تحوّلي اللحظة إلى حدث استثنائي. يكفيني أن تتركيها تمر كما تمرّ الدموع من عين إنسان وصل إلى آخر احتماله. اجلسي بجانبي، ولا تطلبي مني أن أفسر كل قطرة. بعض الأحزان أقدم من اللغة.

وإذا رأيتِ خوفي، لا تستخدميه لاحقًا في خلاف بيننا. الأشياء التي أعترف بها في لحظة أمان يجب أن تبقى في مكانها الآمن. لا تحوّلي سرًّا قلته لكِ وأنا منكسر إلى سلاح عندما تغضبين؛ لأن الجرح قد يُغفر، أما فقدان الأمان فيحتاج زمنًا طويلًا كي يُرمم.

وأعدكِ بالمثل. لن أجمع اعترافاتكِ وأرتبها في ذاكرتي كي أنتصر بها في نقاش. ما تمنحينني إياه من ضعفكِ أمانة، لا ذخيرة. سأختلف معكِ حول الحاضر من دون أن أستدعي ماضيكِ كله إلى المحكمة، وسأتحدث عن التصرف الذي آذاني من دون أن أحوّلكِ إلى إنسانة سيئة.

معكِ أريد أن أتوقف عن التظاهر بأن العمل لا يرهقني، وأن المسؤوليات لا تخيفني، وأن الفشل لا يترك أثرًا في داخلي. أريد أن أعود إليكِ بعد يوم سيئ فأقول إنه كان سيئًا بالفعل، لا أن أخفي كل شيء ثم أعاقبكِ بمزاج لا تفهمين سببه. أريد أن أتعلم مشاركة الحمل قبل أن يتحول ثقله إلى قسوة.

لكنني لا أريد أن تصبح مشاعري وظيفة جديدة لكِ. لستِ مسؤولة عن إصلاحي، ولا عن مراقبة مزاجي، ولا عن استخراج الكلام مني كلما انغلقت. سأتحمل مسؤولية نفسي، وأطلب المساعدة عندما أحتاجها، وأتعلم أدوات أفضل للتعبير. وجودكِ يساندني، لكنه لا يلزمكِ بأن تصبحي معالجة دائمة لجروح لم تصنعيها.

أريد علاقتنا مكانًا نتبادل فيه القوة، لا مكانًا تحملينني فيه دائمًا. حين تتعبين أنتِ، سأتراجع عن مركزي وأصغي. لن أقارن ألمكِ بألمي، ولن أفسد اعترافكِ بقصة عن نفسي. سأمنحكِ اللحظة كاملة، لأن الاحتواء ليس دورًا ثابتًا للرجل أو المرأة؛ إنه محبة تنتقل بين شخصين وفقًا لمن يحتاج إليها.

قد ترين يومًا جانبًا مني لا يعجبكِ. انفعالًا سيئًا، أو خوفًا تحوّل إلى دفاع، أو عنادًا أعرف أنه يؤذيني ويؤذيكِ. لا أطلب منكِ أن تحبي كل ما فيّ بلا تمييز. أحبيني بما يكفي لتقولي إن هذا السلوك غير مقبول، واحترمي نفسكِ بما يكفي لتضعي حدًا إن تجاوزتُ. قبول الإنسان لا يعني الموافقة على كل ما يفعله.

وأنا لن أختبئ خلف عبارة «هذه طبيعتي» كي أرفض التغيير. بعض الطباع ليست هوية؛ إنها عادات تعلمناها لأنها حمتنا في وقت ما، ثم أصبحت تؤذي من نحب. سأراجع نفسي، وأعتذر حين يلزم، وأحاول مرة أخرى. لن أطالبكِ بالصبر على الخطأ نفسه إلى الأبد لمجرد أنني اعترفت به.

أجمل ما أشعر به معكِ أنني لا أحتاج إلى النجاح كل يوم كي أستحق قربكِ. يمكنكِ أن تريني حين لا أملك إنجازًا أحكيه، وحين تكون خططي متعثرة، وحين لا يبدو مستقبلي مرتبًا. لا تنظرين إليّ كقائمة ممتلكات أو أرقام أو انتصارات، بل كإنسان له قيمة حتى في الأيام التي لا ينتج فيها شيئًا.

لهذا أرغب في الاحتفال معكِ بنجاحي، لأنني أعرف أنكِ لم تحبيني بسبب النجاح وحده. وأستطيع الاعتراف لكِ بخسارتي، لأنني لا أخشى أن يتغير مقاسي في عينيكِ. هذه الطمأنينة لا تجعلني كسولًا؛ على العكس، تمنحني شجاعة المحاولة من جديد، لأن الفشل لم يعد يعني أنني سأفقد كل شيء.

معكِ أستطيع أن أكون مرحًا من دون أن أبدو سطحيًا، وحزينًا من دون أن أبدو ضعيفًا، وجادًا من دون أن أتحول إلى شخص قاسٍ. أستطيع أن أقول إنني أشتاق، وإنني أخاف عليكِ، وإن وجودكِ يهمني. لا أحتاج إلى تغليف الحنان بالمزاح كل مرة كي لا يُفهم على أنه نقص في الصلابة.

لقد تعبتُ من فكرة أن القوة تعني ألا يحتاج الإنسان إلى أحد. القوة الحقيقية، كما أفهمها الآن، أن تعرف من يستحق أن تضع أمامه سلاحك، وأن تميّز بين من يستغل انكسارك ومن يساعدك على الوقوف من دون أن يذكّرك طوال العمر بأنه رآك على الأرض.

وأنتِ من القلائل الذين أستطيع أمامهم أن أضع حراستي جانبًا.

لا لأنكِ عاجزة عن إيذائي، بل لأنكِ تعرفين مواضع الألم وتختارين ألا تلمسيها بقسوة. هذه ليست ثقة عمياء؛ إنها ثقة بُنيت من طريقتكِ في الاستماع، ومن احترامكِ لما أقوله، ومن اللحظات التي استطعتِ فيها أن تجرحيني واخترتِ بدلًا من ذلك أن تفهميني.

أريد أن نظل هكذا: شخصين لا يخاف أحدهما أن يظهر للآخر بلا زينة نفسية. أن نكون صادقين من دون فضيحة، وضعفاء من دون إذلال، وقويين من دون سيطرة. أن يعرف كل واحد منا أن البيت العاطفي ليس مكانًا نؤدي فيه أدوارنا بإتقان، بل مساحة نخلع فيها أثقال اليوم ونعود إلى حقيقتنا.

حين أقول إنني أحبكِ، فأنا لا أعني فقط أن قلبي ينجذب إليكِ. أعني أنني أثق بكِ بما يكفي لأسمح لكِ برؤية الأجزاء التي أخفيتها طويلًا. أعني أن حضوركِ لا يطالبني بأن أبدو أفضل مما أنا عليه، لكنه يشجعني على أن أصبح أفضل بصدق.

أمام الآخرين قد أظل الرجل الذي يعرف ماذا يفعل.

أما معكِ، فأستطيع أخيرًا أن أكون الرجل الذي يقول: لا أعرف، لكنني سعيد لأنني لن أبحث عن الإجابة وحدي.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق