أدهشني أن تغييرًا كبيرًا قد يبدأ من أمر صغير: اسم يظهر على شاشة الهاتف، سؤال قصير يصل في منتصف يوم مزدحم، أو صوت يقول جملة عادية فتبقى في الذاكرة أكثر مما ينبغي. هكذا بدأ حضوركِ في حياتي؛ بلا إعلان، وبلا ضجة تلفت انتباهي إلى أن شيئًا مهمًا يحدث. ثم مرّ الوقت، واكتشفت أن أيامي أعادت ترتيب نفسها حولكِ من دون أن أطلب منها ذلك.


منذ صرتِ هنا، لم تعد الأشياء تمرّ بي بالطريقة القديمة. صرتُ أنتبه إلى لون السماء في المساء، لأنني أتساءل إن كنتِ ترين الغروب نفسه من مكانكِ. ألتقط صورة لشارع مبلل بالمطر، أو لشجرة وقفت وحيدة بين الأبنية، ثم أفكر أنكِ أول من أرغب في إرسالها إليه. كأن عينيّ لم تعودا تكتفيان برؤية الجمال؛ تريدان أن تتقاسماه معكِ كي يكتمل.


حتى الحكايات الصغيرة أصبحت تبحث عنكِ. موقف عابر في الطريق، كلمة سمعتها مصادفة، رجل مسن يمسك يد زوجته أثناء عبورهما الشارع، أو طفلة تركض خلف طائر ولا تعرف أنها لن تمسكه. أحتفظ بهذه التفاصيل طوال اليوم لأنني أريد أن أحكيها لكِ لاحقًا. وربما أنسى بعضها قبل أن أصل، لكن الرغبة في مشاركتكِ إياها تبقى، وهي عندي أهم من الحكاية نفسها.


أحب أنني حين أراكِ لا أشعر بأن الوقت توقف؛ بل أشعر بأنه صار أكثر امتلاءً. تمر الساعة بسرعة، لكنها تترك أثرًا واضحًا. أعود من لقائنا وفي داخلي تفاصيل تكفيني أيامًا: حركة يدكِ حين كنتِ تشرحين شيئًا، تغير نبرتكِ عند كلمة معينة، التفاتتكِ المفاجئة، والطريقة التي ارتبكتِ بها عندما طال صمتي وأنا أنظر إليكِ.


قد تظنين أنني لا ألاحظ، لكنني أحفظ أكثر مما أقول. أعرف متى تكون ضحكتكِ كاملة، ومتى تستعملينها كي تغلقي موضوعًا لا ترغبين في مناقشته. أعرف الفرق بين هدوئكِ حين تكونين مرتاحة، وهدوئكِ حين يثقل رأسكِ بالكلام. أرى التعب حين تحاولين تغطيته بمظهر مرتب، وأفهم من تأخركِ في الإجابة أنكِ تبحثين عن صيغة لا تجرح أحدًا.


ولا أحبكِ لأنني اكتشفت أسراركِ أو صرت قادرًا على قراءتكِ دائمًا. ما زالت فيكِ مناطق لا أعرفها، وهذا يسعدني. لا أريدكِ كتابًا أنهيه ثم أضعه على الرف؛ أريد أن تبقي سؤالًا جميلًا يتغير جوابه كلما نضجنا. أن تفاجئيني برأي لم أتوقعه، أو حلم لم تذكريه، أو جانب يظهر للمرة الأولى لأن وقته جاء الآن.


فيكِ شيء يجعلني أرغب في الإنصات، لا لمجرد انتظار دوري في الحديث، بل لأنني أريد معرفة الطريقة التي بُني بها عالمكِ. ما الذي يجعلكِ تختارين هذه الأغنية؟ لماذا تحبين مكانًا لا يلفت الآخرين؟ أي ذكرى تستيقظ فيكِ عندما تمرّ رائحة مألوفة؟ وما الشيء الذي يدور في رأسكِ عندما تحدقين طويلًا في نقطة بعيدة ثم تقولين إنكِ لم تكوني تفكرين في شيء؟


أريد معرفة أجوبتكِ، لكنني لا أريد استهلاك غموضكِ كله. يحق لكِ أن تحتفظي ببعضكِ لنفسكِ، وأن يكون في روحكِ درج لا يفتحه أحد. الحب لا يعني أن أملك مفاتيحكِ جميعًا، بل أن أكون الإنسان الذي لا تخافين منه إذا قررتِ فتح باب.


منذ صرتِ هنا، تغير معنى الانتظار. لم يعد دائمًا وقتًا ضائعًا. هناك انتظار يحمل لذة خفية: الدقائق التي تسبق حديثكِ، الطريق إلى لقائكِ، واللحظة التي أعرف فيها أنكِ ستصلين بعد قليل. أراجع الوقت أكثر مما ينبغي، ثم أتظاهر عندما تأتين بأنني لم أكن أعدّ الدقائق.


وأحيانًا أتعمّد ألا أخبركِ كم اشتقتُ، لا لأنني أريد إخفاء محبتي، بل لأن الكلمة تبدو أصغر من المسافة التي قطعتها في داخلي. أقولها ببساطة، بينما خلفها ساعات كثيرة كان ينقصها صوتكِ، وأماكن مررت بها وشعرت أنها كانت ستصبح أجمل لو كنتِ معي، وأحاديث كاملة أجريتها معكِ في خيالي ولم تسمعي منها شيئًا.


أشتاق إليكِ حتى عندما لا يكون بيننا بُعد كبير. قد تكونين قريبة، ومع ذلك أرغب في الاقتراب أكثر؛ لا من جسدكِ فقط، بل من فكرتكِ في تلك اللحظة، ومن الشعور الذي لم تجدي له عبارة، ومن الجزء الذي بقي بعيدًا خلف عينيكِ. كأن القرب منكِ ليس مكانًا أصل إليه، بل معرفة تستمر في الاتساع.


أحب أنكِ جعلتِني أعيد اكتشاف نفسي أيضًا. أمامكِ لاحظت أشياء لم أكن أعترف بها: أنني أتأثر أكثر مما أظهر، وأنني أحفظ الكلمات الجميلة طويلًا، وأن قلبي يستطيع أن يفرح برسالة قصيرة كما لو تلقى هدية كبيرة. عرفت أنني لست باردًا كما تصورت، بل كنت أعيش قرب أشخاص لم يعرفوا الطريق إلى دفئي.


معكِ ظهرت فيّ رغبة غريبة في أن أصبح أكثر انتباهًا. لا أريد أن أكون رجلًا يحبكِ في قلبه ثم يجعلكِ تبحثين عن الدليل. أريد أن يظهر حبي في طريقتي: في سؤال أذكره بعد أيام، وفي موعد لا أنساه، وفي اهتمام لا ينتظر طلبًا. أريدكِ أن تشعري بمكانكِ من دون أن تضطري كل مرة إلى اختباره.


لن أقول إنني سأصنع لكِ حياة بلا حزن. هذا وعد لا يستطيع إنسان الوفاء به. لكنني أتمنى أن أجعل الحزن حين يأتي أقل وحدة. أن تجدي شخصًا لا يخاف من وجهكِ المتعب، ولا يطلب منكِ أن تتماسكي من أجل راحته. شخصًا يستطيع أن يجلس بجانب يومكِ السيئ من دون أن يحوّله إلى قصة عنه.


وأتمنى حين تأتيكِ السعادة ألا تضطري إلى تخفيفها أيضًا. افرحي بصوت عالٍ، واحكي الخبر أكثر من مرة، وأريني كل التفاصيل التي قد يملّ منها الآخرون. سأسمعها كأنها تحدث لي، لأن الفرح الذي يضيء وجهكِ يصلني منه نصيب لا يحتاج إلى تفسير.


أحبكِ خارج اللحظات المثالية. أحبكِ عندما يفسد شعركِ الهواء، وحين تتلعثم أفكاركِ لأنكِ متعبة، وعندما تنسين ما كنتِ تريدين قوله في منتصف الجملة. أحب انزعاجكِ من الأشياء الصغيرة، وطريقتكِ في مراجعة قرار اتخذتِه قبل دقائق، ومحاولتكِ إخفاء الجوع ثم سرقة شيء من طبقي.


هذه الأشياء لا يكتب عنها الشعراء كثيرًا، لكنها ما يجعل الحب قابلًا للحياة. الجمال وحده قد يصنع صورة، أما التفاصيل غير المرتبة فتصنع إنسانًا نعرفه ونفتقده. وأنا لا أريد صورة منكِ؛ أريد حضوركِ الحقيقي بكل ما فيه من أناقة وفوضى، ومن يقين وتردد.


لو سألني أحدهم متى أحببتكِ، فلن أملك تاريخًا محددًا. الحب لم يهبط عليّ دفعة واحدة، بل تجمع مثل ضوء بطيء. شيء منكِ أضيف كل يوم: موقف، كلمة، اهتمام، نظرة، ثم استيقظت ذات مرة فوجدت أن قلبي امتلأ، وأنني لم أعد أعرف أين انتهى الإعجاب وبدأت المحبة.


ربما أحببتكِ في مرة أنصتِ فيها إلى حديثي رغم أنكِ كنتِ متعبة. ربما في لحظة ضحكتِ فيها على خطأ ارتكبتُه من دون أن تجعلي منه إهانة. أو حين تذكرتِ شيئًا قلته عابرًا، فعرفت أن كلماتي لا تسقط عندكِ بعد انتهاء الحديث. وربما أحببتكِ في جميع هذه اللحظات معًا، حتى صار من المستحيل فصل واحدة عن الأخرى.


منذ صرتِ هنا، أصبح للمستقبل وجه. لم أعد أفكر فيه كقائمة أهداف باردة، بل كلقطات يمكن أن تكوني جزءًا منها: مدينة نزورها للمرة الأولى، نافذة نختار ستائرها، خلاف صغير حول لون جدار، مساء نعود فيه متعبين فنأكل أي شيء متاح ونضحك على فوضى يومنا.


لا أحلم بحياة تعرض نفسها أمام الآخرين بصورة كاملة. أحلم بحياة نعرف نحن قيمتها: صباحات غير مرتبة، مفاتيح نبحث عنها، رسائل سريعة بين المواعيد، ويد تجد اليد الأخرى تحت الطاولة بلا سبب. أريد أن نصنع من العادي شيئًا يخصنا، لا أن نقضي العمر ننتظر الأحداث الكبيرة كي نشعر أننا نعيش.


وأعرف أن الطريق لن يكون مستقيمًا. قد نضيع أحيانًا داخل سوء فهم، أو نحتاج إلى إعادة التعرف إلى بعضنا بعد مرحلة تغيرنا فيها. لكنني لا أخاف من التغير ما دام بيننا صدق يعيدنا. فالقلوب لا تبقى حية لأنها لم تختلف قط، بل لأنها عرفت كيف تعود من الاختلاف وهي أكثر فهمًا.


أنتِ لم تجعلي العالم كاملًا، لكنه منذ حضوركِ صار أقل جفافًا. لم تختفِ المسؤوليات، ولم تتوقف الأيام الصعبة، لكن أصبح هناك في نهايتها شخص أرغب في العودة إليه. وهذا وحده غيّر طريقة احتمالي لكثير من الأشياء.


وجودكِ لم يكن إضافة صغيرة إلى حياتي؛ كان تعديلًا هادئًا في طريقة رؤيتي لها. صرت أبطئ عند اللحظات الجميلة، وأحفظ منها نسخة لكِ. صرت أؤمن أن الإنسان قد يعثر وسط ازدحامه على شخص لا يخلّصه من الحياة، لكنه يجعلها جديرة بأن تُعاش بانتباه أكبر.


لهذا أحبكِ: لأنني منذ عرفتكِ لم تعد أيامي مجرد وقت يمضي، بل أشياء أريد أن أشارككِ بها.


ومنذ صرتِ هنا، صار لكل طريق احتمال جميل واحد: أن يقودني إليكِ.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق