أراقبكِ أحيانًا وأنتِ تقومين بأشياء تبدو عادية لمن حولكِ، فأدرك أن جزءًا كبيرًا من تعبكِ يمرّ في الحياة بلا شاهد. تنهضين وتكملين يومكِ، تردّين على الأسئلة، تتذكرين ما نسيه الآخرون، وتضعين احتياجاتكِ في آخر القائمة كأنها تستطيع الانتظار دائمًا. يراكِ الناس حاضرة، لكنهم لا يرون المسافة التي قطعتها روحكِ كي تصلي إليهم بهذا الوجه الهادئ.

أما أنا، فأريد أن أراكِ كاملة.

أريد أن أنتبه إلى الجهد الذي لا يحمل اسمًا، وإلى الأمور الصغيرة التي تفعلينها ولا ينتبه إليها أحد. أن ألاحظ أنكِ لم تجلسي منذ ساعات، وأن ابتسامتكِ في ذلك المساء كانت محاولة لحماية من حولكِ من مزاجكِ المتعب، وأنكِ قلتِ: «لا بأس» لأن شرح ما بكِ كان سيحتاج إلى طاقة لم تعد لديكِ.

لا أريد أن يكون حبي لكِ أعمى عن هذه التفاصيل.

من السهل أن أحب ضحكتكِ عندما تملأ المكان، وأن أُعجب بكِ حين تكونين واثقة، مرتبة، وقادرة على منح الجميع جزءًا من دفئكِ. لكن الحب الذي أريده لا يتوقف عند الأشياء الظاهرة. أريد أن أعرف التعب الذي يسبق تلك الضحكة، والتردد الذي تخفينه قبل اتخاذ القرار، والأسئلة التي تبقى في رأسكِ بعد أن ينام الجميع.

قد لا تخبرينني دائمًا بما يزعجكِ. ربما لأنكِ اعتدتِ الاعتماد على نفسكِ، أو لأن تجارب قديمة أقنعتكِ أن الشكوى لا تغيّر شيئًا. وربما تخافين أن تبدو مشاعركِ كثيرة، أو أن يتحول اعترافكِ إلى عبء جديد على شخص تحبينه. لكنني لا أريدكِ أن تقسّمي نفسكِ أمامي إلى أجزاء مقبولة وأخرى يجب إخفاؤها.

ما يثقلكِ يهمني، حتى إن بدا صغيرًا في نظر الآخرين.

إذا انزعجتِ من كلمة، فلن أقيسها بعدد حروفها. سأنظر إلى المكان الذي أصابته فيكِ. وإذا أتعبكِ موقف تكرر عشرات المرات، فلن أقول إنكِ تبالغين لأن كل مرة منه كانت بسيطة. أعرف أن قطرات الماء لا تبدو ثقيلة منفردة، لكنها تستطيع أن تملأ وعاءً كاملًا، وأن ما أنهككِ اليوم قد لا يكون ما حدث اليوم وحده، بل كل ما سبق ولم تجدي له مساحة مناسبة.

أريد أن أكون الشخص الذي لا تحتاجين أمامه إلى إعداد تقرير يثبت أنكِ متعبة. يكفيني أن يتغير صوتكِ قليلًا، أو أن تطول المسافة بين سؤالي وإجابتكِ، كي أعرف أن شيئًا في داخلكِ يحتاج إلى الرفق. لن أفترض أنني فهمت السبب، لكنني سأنتبه. فالاهتمام لا يعني أن أقرأ أفكاركِ، بل أن ألاحظكِ بما يكفي كي أسأل بصدق.

وإذا قلتِ إنكِ لا تريدين الحديث، سأحترم ذلك. سأبقى قريبًا من دون أن أحاصركِ، وأمنحكِ وقتكِ من دون أن أشعركِ بأن صمتكِ إهانة لي. قد تحتاجين أولًا إلى فهم ما تشعرين به قبل أن تقدري على شرحه، وقد تكون الكلمات ضيقة أمام شيء متشابك. لن أطالبكِ بترجمة فورية لكل ما يحدث داخلكِ.

لكنني لن أنسى السؤال.

سأعود إليكِ حين يهدأ اليوم، لا لأفتش عن اعتراف، بل لأتأكد أنكِ لم تبقي وحدكِ في مكان لا تعرفين كيف تخرجين منه.

أعرف أنكِ تستطيعين الاعتناء بنفسكِ، ولا أريد أن أجعل اهتمامي إعلانًا عن ضعفكِ. أنتِ قادرة، وقد أثبتتِ ذلك في أيام لم يكن فيها أحد إلى جواركِ. لكن القدرة لا تعني أن يترك الإنسان وحيدًا كلما اشتد عليه الحمل. حتى اليد التي تستطيع رفع الأشياء تحتاج أحيانًا إلى من يخفف عنها وزنها، لا لأنها عجزت، بل لأنها تعبت.

لهذا سأتعلم أن أشارككِ الحياة بطريقة عملية، لا بالكلام وحده. لن أنتظر منكِ أن تطلبي كل شيء بالتفصيل، ثم أقول إنني كنت مستعدًا للمساعدة لو طلبتِ. سأنظر حولي، وأرى ما يحتاج إلى فعل. سأحمل مسؤوليتي من تلقاء نفسي، وأفهم أن المبادرة شكل من أشكال المحبة؛ لأنكِ لا تحتاجين إلى مدير يسألكِ عمّا يجب عليه فعله، بل إلى شريك يرى البيت واليوم والعلاقة كما ترينها أنتِ.

وإذا بذلتِ جهدًا من أجلي، لن أتعامل معه كأنه أمر طبيعي لا يستحق الذكر. سأشكركِ، لا مجاملةً، بل اعترافًا بأن وقتكِ وطاقة قلبكِ ليسا موردين متاحين بلا نهاية. سأخبركِ أنني رأيت ما فعلتِ، وأن التفصيل الذي ربما حسبتِه عابرًا وصل إليّ. الامتنان لا يقلل عفوية الحب؛ بل يحميه من أن يتحول إلى واجب صامت.

أريدكِ أيضًا أن تتوقفي عن الاعتذار كلما احتجتِ إلى الراحة. لا تعتذري لأنكِ لم تجيبي بسرعة، أو لأنكِ لم تكوني مرحة، أو لأنكِ فضّلتِ البقاء وحدكِ في مساء ما. أنتِ لستِ مسؤولة عن صناعة جو جميل طوال الوقت، ولا يجب أن تكوني خفيفة كي يحب الناس وجودكِ.

يمكنكِ أن تأتي إليّ بيومكِ الثقيل.

يمكنكِ أن تجلسي بصمت، وأن تتركي ملامحكِ على طبيعتها، وأن تقولي إنكِ لا تملكين شيئًا تمنحينه اليوم. لن أحسب محبتكِ بمقدار ما تقدمينه لي في كل لحظة. وجودكِ ليس خدمة، وقربكِ لا يحتاج إلى برنامج ترفيهي كي يبقى مرغوبًا.

وحين تنجحين، سأفرح بالنتيجة، لكنني سأرى الطريق أيضًا. سأذكر الليالي التي واصلتِ فيها رغم الشك، والمحاولات التي لم يعرف بها أحد، والمخاوف التي تجاوزتِها من دون تصفيق. لن أختصر نجاحكِ في لحظة إعلان جميلة، لأنني أعرف أنه بدأ قبل ذلك بكثير؛ في قرارات صغيرة اتخذتِها حين لم يكن هناك ما يضمن وصولكِ.

وإذا لم تصلي، فلن يصبح جهدكِ بلا قيمة. بعض الطرق لا تمنحنا النهاية التي نستحقها، مهما كنا صادقين في السير. سأحزن معكِ على ما فات، لكنني لن أسمح للخسارة بأن تمحو ما كشفته المحاولة عنكِ. لقد كنتِ شجاعة عندما بدأتِ، ومنضبطة عندما واصلتِ، وصادقة عندما اعترفتِ بأن الأمر لم ينجح. وهذه الحقائق لا تلغيها نتيجة واحدة.

ثمة أشياء فيكِ قد لا ترينها لأنكِ تعيشين داخلها كل يوم. لا تنتبهين إلى لطفكِ لأنه أصبح عادتكِ، ولا إلى صبركِ لأنكِ تتذكرين فقط اللحظة التي نفد فيها، ولا إلى جمال حضوركِ لأنكِ مشغولة بما تظنين أنه ناقص. أما أنا فأراكِ من مسافة تسمح لي بملاحظة ما اعتدتِ عليه أنتِ.

أرى كيف تختارين كلماتكِ حين تعرفين أن شخصًا أمامكِ هشّ.

أرى أنكِ تتذكرين التفاصيل التي قالها الناس عرضًا، ثم تعودين إليها في الوقت المناسب كي تشعريهم بأنهم مهمون.

أرى قلقكِ الذي يتنكر في صورة أسئلة كثيرة، وحنانكِ الذي يظهر أحيانًا كحرص زائد، وخوفكِ من الخذلان حين يجعلكِ أكثر حذرًا مما تريدين.

ولا أريد أن أستخدم معرفتي هذه للسيطرة عليكِ. ما أفهمه عنكِ يجب أن يساعدني على معاملتكِ برفق، لا أن يمنحني مفاتيح أضغط بها على مواضع ضعفكِ. إذا عرفت ما يخيفكِ، فلن ألوّح به عندما أغضب. وإذا أخبرتِني بما تحتاجينه، فلن أحرمكِ منه عمدًا كي أثبت قدرتي على التأثير فيكِ.

الحب في نظري ليس أن يعرف الإنسان أسراركِ فقط، بل أن يعرفها ويحفظ كرامتها.

وقد أخطئ في رؤيتكِ أحيانًا. ربما أفسر هدوءكِ حزنًا، بينما تكونين منشغلة فحسب. قد أحاول مساعدتكِ في وقت تريدين فيه أن تنجزي الأمر بنفسكِ، أو أقول جملة أظنها مطمئنة فتشعرين أنها لم تفهمكِ. لا أعدكِ بحدس لا يخطئ، لكنني أعدكِ بالتواضع الذي يجعلني أسألكِ بدل أن أصرّ على تفسيري.

علّميني كيف تحبين أن يُعتنى بكِ. أخبريني متى تريدين حضوري، ومتى تحتاجين إلى مساحة. قولي لي إن كانت النصيحة تزعجكِ في لحظة لا تريدين فيها سوى أن أسمع، وإن كان صمتي يبدو لكِ برودًا حين أظنه احترامًا. لا أريد أن أحبكِ بالطريقة التي تناسبني وحدي؛ أريد أن يصل حبي إليكِ بالصورة التي تستطيعين الشعور بها.

وأنا في المقابل سأكون صادقًا بشأن ما أحتاجه. لن أتوقع منكِ أن تعرفي كل شيء من نظرة، ثم أغضب لأنكِ لم تفهمي. سأمنحكِ الكلمات التي أطلب منكِ أن تمنحيني إياها. فالمحبة ليست اختبارًا لقدرتنا على التخمين، بل شجاعة أن نكشف لبعضنا ما لا يستطيع الآخر معرفته وحده.

أريد أن تمرّ السنوات ولا يتحول وجودكِ إلى أمر مألوف أفقد بسببه الانتباه. أخشى على العلاقات من الاعتياد الذي يجعل الإنسان يرى كل شيء إلا الشخص القريب منه. لذلك سأحاول أن أنظر إليكِ كل يوم كإنسانة تتغير، لا كصورة حفظتها وانتهيت منها. سأتعرف إليكِ من جديد كلما غيّرتكِ تجربة، وكلما اكتشفتِ حلمًا، أو تركتِ عادة، أو أصبحت لكِ حدود لم تكن لديكِ من قبل.

لن أحب نسخة قديمة منكِ وأطالبكِ بالبقاء فيها كي أشعر بالراحة.

سأرافق المرأة التي تصيرين إليها.

وفي نهاية كل يوم، لا أريدكِ أن تسألي نفسكِ إن كان أحد قد رأى ما فعلتِ، وما تحمّلتِ، وما أخفيتِه كي يستمر كل شيء. أريدكِ أن تعرفي أن هناك قلبًا لم تمرّ أمامه تفاصيلكِ مرورًا عابرًا.

أنا أراكِ عندما تضحكين، وهذا سهل.

لكنني أراكِ أيضًا حين تخفتين، حين تتعبين، حين تترددين، وحين تفعلين عشرات الأشياء التي لا يصفق لها أحد.

أراكِ في المساحات التي لا يصل إليها الضوء عادةً.

وهناك، تحديدًا، يزداد حبي لكِ.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق