أحب تلك اللحظة التي ننسى فيها أننا نحاول الظهور بصورة جميلة أمام بعضنا، فنضحك على شيء لا يستطيع أي شخص آخر فهمه. تبدأ الحكاية غالبًا بكلمة عادية، ثم نتذكر موقفًا قديمًا، فتتحول الجملة إلى نكتة خاصة بنا، ونظل نكررها حتى تفقد معناها عند الجميع وتصبح أكثر طرافة عندنا.
في تلك اللحظات، لا أشعر أنني أجلس مع المرأة التي أحبها فقط.
أشعر أنني أجلس مع صديقتي المفضلة.
وهذه، بالنسبة إليّ، واحدة من أثمن صور الحب. أن يكون بيننا انجذاب واشتياق، لكن يكون بيننا أيضًا ذلك النوع من الراحة الذي يسمح لي بأن أرسل لكِ فكرة سخيفة في منتصف النهار وأنا واثق أنكِ لن تسألي لماذا خطرت لي. ستفهمين غرابتها، وربما تزيدينها غرابة، ثم نعود إلى مسؤولياتنا وقد صار اليوم أخف قليلًا.
أحب أن أستطيع الحديث معكِ عن الأشياء المهمة، لكنني أحب أكثر أنني لا أحتاج دائمًا إلى موضوع مهم كي أتحدث إليكِ. يمكننا أن نناقش قرارًا يغيّر مستقبلنا، ثم نختلف بعد دقائق حول أفضل طريقة لإعداد وجبة بسيطة. نحاول أن نبدو عقلانيين في المسألة الأولى، ونتصرف كأن مصير العالم متوقف على رأينا في الثانية.
الحياة طويلة، ولن تكون كلها أحداثًا كبيرة. معظمها أيام عادية، ومشاوير متكررة، وانتظار في أماكن مملة، وطوابير لا تتحرك بالسرعة التي نريدها. لذلك لا أبحث فقط عن امرأة تشاركني أجمل المناسبات؛ أبحث عن امرأة تجعل الدقائق التي لا يحدث فيها شيء قابلة للحياة.
وأنتِ تفعلين ذلك من دون جهد ظاهر.
معكِ يمكن لطريق مزدحم أن يتحول إلى حوار لا نريد له أن ينتهي. ويمكن لانتظار طلب الطعام أن يصبح مناسبة لاختراع قصص عن الأشخاص حولنا، من دون أن نؤذي أحدًا، فقط لأن خيالنا قرر أن يمنح كل وجه حكاية. وقد ندخل متجرًا من أجل غرض واحد، ثم نخرج بعد وقت طويل وقد نسينا الغرض الأساسي لأننا انشغلنا بأشياء لم نكن نحتاج إليها أصلًا.
أحب هذه الفوضى الصغيرة التي تصنعينها في خططي المرتبة.
لا لأنها تعطلني، بل لأنها تذكرني بأن اليوم ليس قائمة مهام فقط.
وأحب أنكِ تعرفين كيف تسخرين مني من دون أن تجرحيني. هناك فرق لا يدركه الجميع بين المزاح الذي يقربنا والمزاح الذي يخبئ إهانة. أنتِ تعرفين الحدود، وتعرفين المواضع التي يمكن أن نضحك عليها وتلك التي تحتاج إلى الاحترام. وحين تتجاوزين من دون قصد، تستطيعين الاعتذار بدل أن تقولي إنني لا أفهم المزاح.
وأنا أريد أن أكون حذرًا بالطريقة نفسها. لن أحوّل أسراركِ إلى مادة للضحك أمام الناس، ولن أكشف شيئًا تخجلين منه كي أحصل على انتباه المجلس. ما بيننا ليس عرضًا عامًا، والنكتة التي تكلّفكِ كرامتكِ ليست مضحكة مهما ضحك الآخرون.
سأمزح معكِ، لا عليكِ.
وسأحفظ صورتكِ حين تكونين غائبة كما أحفظها وأنتِ أمامي. الصداقة الحقيقية لا تسمح للإنسان بأن يجلس في مكان تُنتقص فيه قيمة من يحب ثم يصمت كي لا يفسد الجو. إذا أخطأتِ، لن أقدّمكِ للناس كإنسانة كاملة، لكنني لن أسمح لهم بتحويل خطأ واحد إلى تعريف لكِ. سأتحدث معكِ على انفراد، وأحمي احترامكِ في العلن.
وأعرف أنكِ ستفعلين الأمر نفسه.
أريد أن تكوني أول من أخبره عندما يحدث شيء جيد، لا لأنني أحتاج إلى التصفيق، بل لأن فرحتكِ صادقة. أنتِ لا تستمعين إلى نجاحي وأنتِ تبحثين عن طريقة لمقارنته بما حققه غيري. تعرفين مقدار التعب الذي سبقه، فتفرحين بالمسافة التي قطعتها، لا بالصورة النهائية وحدها.
وحين أفشل، أريد أن أستطيع الاتصال بكِ قبل أن أرتب رواية تحفظ كبريائي. سأقول لكِ إن الأمر لم ينجح، وإنني محبط، وربما ألوم الظروف أكثر مما ينبغي. ستتركينني أتكلم، ثم تقولين لي الحقيقة حين أهدأ. لن تؤيدي كل ما أقول لمجرد أنكِ تحبينني؛ ستخبرينني إذا كنتُ أتهرب من مسؤوليتي أو أكرر الخطأ نفسه.
هذا ما أريده منكِ: ولاء لا يلغي الصراحة.
لا أحتاج إلى شخص يوافقني دائمًا، بل إلى إنسانة تقف إلى جواري من دون أن تساعدني على خداع نفسي. إذا كنتُ مخطئًا، قوليها. وإذا رأيتِني أسير نحو قرار سيئ، حذريني. قد أزعج في اللحظة الأولى، وربما أدافع عن نفسي بعناد، لكنني سأعود لأتذكر أنكِ قلتِ ما قلتِ لأنكِ تعرفينني جيدًا وتهتمين بما سيحدث لي.
وفي المقابل، سأخبركِ بالحقيقة بالطريقة التي تحفظ قلبكِ. الصراحة ليست رخصة للقسوة، ولا يحتاج الرأي الصادق إلى نبرة متعالية. إذا رأيتُ أمرًا يقلقني، سأتحدث عن الفعل، لا عن قيمتكِ. سأترك لكِ حق الاختيار، حتى حين أظن أن رأيي أصح، لأن الصديق لا يصادر حياة صديقه بحجة أنه يعرف مصلحته.
أحب أن أتعرف إلى الأشخاص الذين تحبينهم، وأن أفهم القصص التي سبقتني. لا لأفتش عن مكانتي بينهم، بل لأن أصدقاءكِ جزء من الطريقة التي أصبحتِ بها أنتِ. بعضهم رآكِ في مراحل لم أعرفكِ فيها، وحمل معكِ أيامًا لم أكن حاضرًا خلالها. لن أغار من تاريخ لا ينافسني، ولن أطلب منكِ قطع علاقات جميلة كي يصبح دوري أكبر.
سيكون لي أصدقائي أيضًا، وستعرفينهم من الحكايات التي أكررها، ومن الألقاب التي لا تبدو منطقية، ومن المواقف التي أضحك عليها قبل أن أصل إلى نهايتها. أتمنى أن تحبي الجانب الذي يظهر مني معهم، وأن تعرفي أن صداقاتي لا تنتقص من قربكِ. لكل علاقة لغتها، وأنتِ لا تحتاجين إلى إلغاء اللغات الأخرى كي تكون لغتنا الأهم.
لكن صداقتي بكِ ستظل مختلفة.
فأنتِ تعرفين النسخة التي أظهر بها أمام الناس، ثم تعرفين ما يحدث بعد أن أغلق الباب. ترين حماسي في البداية، وتعرفين اللحظة التي يبدأ فيها الشك. تسمعين الخطة الواثقة، ثم تستقبلين الأسئلة التي لم أجرؤ على قولها أمام أحد. وبين هاتين النسختين، لا تتغير معاملتكِ لي.
معكِ يمكنني أن أعترف بأنني لا أحب شيئًا يحبه الجميع، أو أنني لم أفهم فيلمًا امتدحه الناس طويلًا، أو أنني أستمتع بأمر قد يبدو بسيطًا في نظرهم. لا أحتاج إلى بناء شخصية مثيرة للإعجاب طوال الوقت. أستطيع أن أكون عاديًا، وأن أتكلم عن التفاصيل التي لا تصلح منشورًا ولا قصة تُروى في مجلس.
وأريد أن تكوني عادية أمامي أيضًا.
لا ترتبي حديثكِ كأنكِ في مقابلة، ولا تخفي اهتماماتكِ الصغيرة خوفًا من أن أراها بلا قيمة. أخبريني عن الشيء الذي شاهدتِه وأزعجكِ، وعن لون أعجبكِ، وعن وصفة تريدين تجربتها، وعن موقف مرّ بسرعة لكنه بقي في بالكِ. ليس على كل حديث بيننا أن يكون عميقًا كي يكون مهمًا.
أحيانًا تكون المحبة في أن أسمعكِ تشرحين شيئًا لا أعرف عنه شيئًا، لكنني أتابع لأن الحماس في صوتكِ يعجبني.
وقد نتشارك الصمت أيضًا. ليست الصداقة الناجحة كلامًا متواصلًا. يمكننا أن نجلس في الغرفة نفسها، يقرأ كل واحد منا شيئًا مختلفًا، ثم يرفع أحدنا رأسه ليقول ملاحظة قصيرة ويعود إلى ما كان يفعله. لا أشعر في هذا الصمت بأن علينا إنقاذ اللقاء؛ فوجودكِ وحده لا يحتاج دائمًا إلى نشاط كي يصبح ذا معنى.
أريد أن نتعلم أشياء جديدة معًا، حتى لو كنا سيئين فيها. نجرب هواية ثم نكتشف أن نتائجنا مضحكة، أو نحاول اتباع تعليمات تبدو سهلة فنفسدها من الخطوة الأولى. لا يهم أن نصبح محترفين. المهم أن يكون لدينا رصيد من المحاولات التي نستعيدها لاحقًا ونضحك.
ولن أجعل الضحك وسيلتي للهروب من كل شعور جاد. أعرف أن بعض الناس يمزحون في اللحظة التي تحتاج إلى مواجهة، لأن الجدّ يخيفهم. إذا كنتِ حزينة، لن أحاول تحويل ألمكِ فورًا إلى طرفة حتى أرتاح. سأعرف متى يحتاج قلبكِ إلى ابتسامة، ومتى يحتاج إلى أن أجلس معه من دون محاولة تغيير مزاجه.
الصديق الجيد لا يجبركِ على الضحك؛ يترك لكِ مكانًا آمنًا للحزن أيضًا.
وحين نختلف، أتمنى ألا ننسى أننا في الفريق نفسه. يمكنني الاعتراض على رأيكِ من دون أن أتعامل معكِ كخصم، ويمكنكِ أن تغضبي مني من دون أن تمحي كل الأيام الجميلة. بعد أن يهدأ الخلاف، سنعرف كيف نعود. ربما يبدأ الصلح بكلمة واضحة، وربما بكوب نضعه قرب الآخر، أو سؤال عادي يحمل في داخله رغبة في فتح الباب.
لن أعتبر المبادرة ضعفًا، ولن أترك الكبرياء يطيل المسافة بين صديقين يعرف كل منهما مقدار ما يعنيه الآخر.
وقد يأتي وقت تقل فيه حرارة المشاعر بسبب الإرهاق أو ضغط الحياة. في تلك الأيام، ستكون صداقتنا ما يحمي العلاقة من أن تصبح واجبًا. سنعود إلى الحديث، وإلى الفضول، وإلى الأشياء التي كانت تجعل الوقت يمر بسرعة. لن ننتظر أن تهبط الرومانسية علينا من السماء؛ سنصنع لها مكانًا من خلال القرب الحقيقي.
فأنا لا أريد حبًا يعيش فقط على الهدايا والمناسبات والكلمات الكبيرة. أريده قادرًا على البقاء في يوم بلا مكياج، وفي رحلة ضاعت خطتها، وفي وجبة لم تنجح، وفي مساء لا نملك فيه إلا حديثًا متقطعًا وضحكة صادقة.
أريد أن نلتقط صورًا جميلة، نعم، لكنني أريد أكثر أن نعيش لحظات لا يتذكر أحدنا خلالها إخراج الهاتف. أن نضحك حتى تضيع منا بداية الموضوع، وأن نعود إلى البيت ونحن نكرر الجملة نفسها، وأن يعرف كل واحد منا أن اليوم كان بسيطًا لكنه لم يكن فارغًا.
أحب المرأة التي يشتاق إليها قلبي.
لكنني أحب أيضًا الصديقة التي أبحث عنها تلقائيًا كلما حدث شيء، والتي أعرف أنها ستفهم نصف الحكاية من نبرة صوتي، ثم تنتظر النصف الآخر من دون استعجال.
أحب أنكِ تستطيعين أن تكوني حبيبتي ورفيقة يومي في الوقت نفسه.
فالوجوه الجميلة كثيرة، والعبارات الرومانسية يستطيع الناس تعلمها، أما أن يجد الإنسان شخصًا يستطيع أمامه أن يضحك بلا حذر، ويتحدث بلا تمثيل، ويصمت بلا ارتباك، فذلك نوع نادر من الألفة.
ولهذا، حين أفكر فيما أريده معنا، لا أتمنى فقط أن يبقى الحب.
أتمنى أن نظل، مهما مرّ علينا، صديقين يختاران الجلوس إلى جوار بعضهما لأن الحديث ما زال ممتعًا، والضحك ما زال صادقًا، والصمت ما زال مريحًا.
وأن أبقى، بعد كل هذه السنوات، حين يحدث لي شيء صغير أو عظيم، أفكر بالطريقة نفسها:
يجب أن أخبركِ أنتِ أولًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ عمر إلفا أكتبُ لأترك أثراً. ــــــــــــــــــــــــــــــ
