في الوقت الذي ينتهي فيه يومكِ، قد يكون يومي ما زال عالقًا في منتصفه. ربما ترسلين لي رسالة وأكون داخل عمل لا يسمح لي بالرد، ثم أكتب لكِ بعد ساعات فأجدكِ نائمة. هكذا تفعل المسافة: لا تكتفي بأن تضع بيننا مدينتين، بل تعبث بالمواعيد أيضًا، وتجعل أبسط الأشياء تحتاج إلى ترتيب.
ومع ذلك، صرتُ أعرف وجودكِ في يومي حتى حين لا تكونين أمامي.
أعرفه من رغبتي في إخباركِ بما حدث فور خروجي من مكان ما، ومن الطريقة التي ألتقط بها صورة لشيء صغير لأنني تخيلتُ تعليقكِ عليه. أعرفه حين أسمع عبارة تضحككِ، فأحتفظ بها إلى أن يحين موعد اتصالنا، وحين أمر بمطعم فأفكر في الطبق الذي كنتِ ستختارينه، ثم أختلف معكِ في خيالي حول المقبلات قبل أن نجلس أصلًا.
غيابكِ لا يجعل يومي فارغًا، لكنه يترك فيه مقعدًا واضحًا.
أعيش، أعمل، ألتقي بالناس، وأنجز ما عليّ إنجازه، لكن هناك تفاصيل تبقى معلقة حتى أصل إليكِ. لا لأن حياتي تتوقف في غيابكِ، بل لأن بعض الأشياء لا تكتمل عندي إلا حين أعرف كيف رأيتِها أنتِ. حضوركِ لا يلغي العالم من حولي؛ يمنحه زاوية أخرى.
أريد أن نكون صادقين بشأن صعوبة البعد. لن أقول إن المسافة لا تعني شيئًا ما دام الحب موجودًا. إنها تعني الكثير. تعني أنني لا أستطيع أن أطرق بابكِ حين تمرين بيوم سيئ، وأنكِ قد تحتاجين إلى حضن فلا أملك سوى صوت يخرج من هاتف. تعني أن المناسبات قد تمر وأحدنا بعيد، وأن الشوق أحيانًا يتحول إلى ضيق لا يعالجه اتصال طويل.
لكن صعوبة الأمر لا تعني استحالته.
سنحتاج إلى أكثر من المشاعر كي نعبر هذه المرحلة. سنحتاج إلى وضوح، وإلى مواعيد نحترمها، وإلى قدرة على الاعتذار عندما يبتلع يومنا الوقت الذي وعدنا به الآخر. لن نحسب عدد الرسائل فقط، بل سنحمي جودتها. قد تكون مكالمة صادقة مدتها عشر دقائق أرحم بعلاقتنا من ساعات نتحدث فيها ونحن مشتتون.
إذا كنتِ متعبة، لا أريدكِ أن تجبري نفسكِ على السهر كي تثبتي اشتياقكِ. نامي. أخبريني أنكِ مرهقة، وسأفهم أن جسدكِ يحتاج إلى الراحة، لا أن قلبكِ ابتعد عني. لن أقيس الحب بقدرتكِ على مقاومة النوم، ولن أحوّل تعبكِ إلى تهمة بأنني لم أعد مهمًا.
وأنا أيضًا سأخبركِ حين لا أستطيع الكلام، بدل أن أختفي وأترككِ تحاولين تفسير الصمت. سأقول إن يومي مزدحم، وإنني سأعود في وقت محدد، ثم ألتزم قدر استطاعتي. المسافة تترك فراغات كثيرة، وإذا لم نملأها بالمعلومة الواضحة، تملؤها المخاوف بقصص لا أصل لها.
لن أستخدم انشغالي عذرًا دائمًا. أعرف أن الإنسان يجد وقتًا لما يهمه، حتى لو كان الوقت قليلًا. لن أعدكِ بأنني سأكون متاحًا في كل لحظة، فهذا وعد غير واقعي، لكنني أعدكِ ألا أجعلكِ تشعرين أنكِ تحاولين وحدكِ إبقاء العلاقة حيّة. سأبادر، وأسأل، وأتذكر، وأرتب يومي أحيانًا من أجل موعد يجمعنا.
وفي المقابل، لا أريد أن تتحول هواتفنا إلى أجهزة مراقبة. لا تسأليني عن كل دقيقة تأخرت فيها، ولن أسألكِ عمّن كان في المكان كلما خرجتِ. البعد قد يوقظ الغيرة، لكننا لن نسمح لها بأن تدير العلاقة. إذا خفتُ، سأقول إنني خائف. وإذا أقلقكِ أمر، اسأليني عنه مباشرة. السؤال الصادق أرحم من تحقيق يبدأ بإدانة وينتظر مني أن أثبت براءتي.
ثقتنا لن تُبنى على أن نعرف كل حركة يفعلها الآخر، بل على أن تتطابق كلماتنا مع أفعالنا. أن أقول إنني ذاهب إلى مكان فأكون واضحًا، وأن تخبريني بما تحتاجين إلى مشاركته من دون إخفاء متعمد. الخصوصية حق، أما السرية التي تمس اتفاقنا فشيء آخر. سنعرف الفرق، ونحترمه.
لا تؤجلي حياتكِ حتى أعود. اخرجي، تعلّمي، افرحي، واصنعي أيامًا تستحق أن تُروى. لا أريد أن أجدكِ بعد أشهر واقفة في النقطة نفسها لأنكِ ظننتِ أن الوفاء يعني الانتظار بلا حياة. أحبكِ أكثر من أن أطلب منكِ التحول إلى غرفة مغلقة لا يدخلها الضوء حتى أصل.
سأعيش أنا أيضًا، وسأحمل إليكِ ما اكتسبته في غيابكِ. أريد أن نلتقي ونحن أكثر امتلاءً، لا أكثر استنزافًا. أن يكون لكل واحد منا شيء جديد يضيفه إلى العلاقة، لا أن نستهلك وقتنا كله في عدّ الأيام المتبقية.
وإذا شعرتِ بالسعادة في يوم لم أكن جزءًا منه، فلن أغار من ذلك اليوم. سأفرح لأن الحياة كانت لطيفة معكِ في غيابي. لا أريد أن يكون حضوري شرطًا لكل ابتسامة، ولا أن يتحول حبي إلى ضريبة تدفعينها كلما استمتعتِ بعيدًا عني.
لكن شاركيني ما تستطيعين. أرسلي لي صورة للسماء التي رأيتِها، أو تسجيلًا قصيرًا لصوت المطر عند نافذتكِ، أو وصفًا لطريق مررتِ به للمرة الأولى. ليست قيمة هذه الأشياء في جمالها، بل في أنها تمنحني نافذة صغيرة على مكانكِ. وسأفعل مثلكِ؛ سأجعلكِ ترين مدينتي من خلال ما ألاحظه، حتى لا تبقى المسافة مجرد اسمين على خريطة.
قد نختلف عبر الهاتف، وهذا أصعب مما يبدو. الكلمات المكتوبة تفتقد النبرة، والتأخر في الرد قد يجعل الجملة أقسى، والصمت بعد الخلاف يبدو أطول من حقيقته. لذلك لن أحاول حل المسائل الكبيرة برسائل مقتضبة. سننتظر حتى نستطيع سماع بعضنا، لأن الصوت يحمل ما لا تستطيع علامات الترقيم حمله.
وإذا ارتفعت نبرتنا، فلن أغلق الاتصال في وجهكِ كي أعاقبكِ. قد نحتاج إلى التوقف، لكننا سنتفق على العودة. لا أريدكِ أن تبقي وحدكِ أمام شاشة صامتة تتساءلين إن كان الخلاف أنهى ما بيننا. المسافة تكفي؛ لن نضيف إليها أبوابًا نغلقها بأيدينا.
أعرف أن هناك لحظات لن يستطيع الهاتف إنقاذها. قد تبكين، وأشعر بالعجز لأن يدي لا تصل إليكِ. قد أمر أنا بليلة ثقيلة، وتغضبين لأنكِ لا تستطيعين الجلوس بجانبي. في تلك اللحظات، لا نحتاج إلى التظاهر بأن الكلمات تعوّض كل شيء. سنعترف بالعجز، ونبقى معًا رغم محدودية ما نستطيع فعله.
قولي لي: «أنا هنا»، حتى إن كان وجودكِ صوتًا فقط.
وسأقولها لكِ بالطريقة نفسها.
لا أريد أن نبني علاقتنا على الشوق وحده. الشوق جميل في القصائد، لكنه في الحياة يحتاج إلى خطة. أريد أن نعرف إلى أين نمضي، ومتى يمكن أن تقترب المسافات، وما الذي نستطيع فعله كيلا يصبح البعد حالة دائمة بلا نهاية واضحة. الحب لا يكفي إذا ظل معلقًا بين رحلتين مؤجلتين.
سنتحدث عن الواقع: العمل، والمال، والالتزامات، والمدينة التي يمكن أن تجمعنا يومًا. قد لا نجد حلًا سريعًا، وربما نضطر إلى تقديم تنازلات متبادلة. لكنني لا أريدكِ أن تكوني الوحيدة التي تغيّر حياتها كي نلتقي، ولا أن أفترض أن مستقبلي ثابت ومستقبلكِ هو الذي يجب أن يتحرك نحوي.
سنبحث عن حل لا يمحو أحدنا.
وحين نلتقي بعد غياب، لا أتوقع مشهدًا مثاليًا. ربما نرتبك في الدقائق الأولى، أو نشعر أن أصواتنا في الحقيقة مختلفة قليلًا عمّا حفظناه عبر الهاتف. قد نكون متعبين من السفر، وقد تتأخر حقائبنا، أو يفسد الطقس الخطة التي وضعناها. لا بأس. ما أريده ليس لحظة تصلح لفيلم، بل وجودكِ الحقيقي أمامي، بتعبكِ وارتباككِ وكل ما لا تنقله الشاشة.
سأحتاج إلى وقت كي أصدق أنكِ قريبة بما يكفي لألمس يدكِ من دون أن ينقطع الاتصال.
ثم سنعود إلى الأشياء البسيطة التي حُرمنا منها: أن نمشي في شارع واحد من دون أن يحمل أحدنا الهاتف، وأن نصمت من غير أن نظن أن الشبكة انقطعت، وأن أراكِ تضحكين قبل أن يصلني صوت ضحكتكِ بجزء من الثانية.
تلك التفاصيل هي ما أشتاق إليه حقًا.
لا أشتاق فقط إلى وجهكِ، بل إلى المساحة التي يشغلها وجودكِ في المكان. إلى أن ألتفت فأجدكِ، بدل أن أفتح تطبيقًا وأنتظر ظهوركِ. إلى أن أعرف أنكِ صامتة لأنكِ تفكرين، لا لأن الاتصال تجمّد.
وحتى يأتي ذلك اليوم، سأحافظ على ما بيننا بعيدًا عن الاستعراض. لن أحتاج إلى إعلان حبنا كل ساعة كي أصدقه، ولن أجعل الناس شهودًا على كل تفاصيلنا. يكفيني أن تعرفي أنكِ جزء ثابت من قراراتي، وأن أعرف أنني لستُ فقرة مؤقتة تملئين بها وقت الغياب.
قد يتعبنا الانتظار، وقد تمر أيام نشعر فيها أن المسافة أطول من قدرتنا. عندها لن ألومكِ على ضعفكِ، ولن أخجل من ضعفي. سنتذكر أن الصبر ليس شعورًا هادئًا دائمًا؛ أحيانًا يكون قرارًا نتخذه ونحن غاضبون ومتعبون ومشتاقون.
أنا لا أحب المسافة، ولا أريد تمجيدها. لو كان الأمر بيدي لاخترت مدينة واحدة ونافذة واحدة وطريقًا نعود منه إلى المكان نفسه.
لكنني، ما دامت بيننا هذه الجغرافيا، سأتعامل معها كمرحلة تحتاج إلى العناية، لا كقدر يستحق الاستسلام.
سنخطئ في المواعيد، ونفوت بعض المكالمات، ويغلب أحدنا النوم أحيانًا. لكننا سنعود. سنشرح، ونعتذر، ونحاول من جديد.
فالذي يجمعنا ليس قوة الإشارة، ولا قرب المدن، ولا عدد الساعات التي نتحدث فيها.
الذي يجمعنا أن كل واحد منا، وسط يوم كامل من الوجوه والأصوات والطرقات، ما زال يعرف تمامًا إلى من يريد أن يعود حين يهدأ كل شيء.
المسافة بيننا حقيقية.
لكنها مؤقتة.
أما اختياري لكِ، فهو الشيء الذي أحمله معي أينما ذهبت.
ــــــــــــــــــــــــــــــ عمر إلفا أكتبُ لأترك أثراً. ــــــــــــــــــــــــــــــ
