أتخيّلنا بعد سنوات طويلة في صباح هادئ، نبحث معًا عن النظارة التي تكون فوق رأس أحدنا، ونتجادل لدقائق حول المكان الذي وضعنا فيه مفتاح الباب، ثم نضحك لأن ذاكرتنا لم تعد دقيقة كما كانت. ربما يصبح إعداد القهوة أبطأ، وربما نحتاج إلى الجلوس قليلًا قبل أن نبدأ يومنا، لكنني أظن أنني سأعرفكِ من الطريقة نفسها التي أعرفكِ بها الآن: من حركة يدكِ حين تفكرين، ومن النظرة التي تسبق ابتسامتكِ، ومن صوتكِ حين تنادينني من غرفة أخرى.

لا أعرف كيف ستبدو ملامحنا حينها، ولا كم سيترك الزمن فوق وجوهنا من أثر، لكنني أعرف أنني لا أريد حبًا يقف عند لحظة الشباب ويخاف مما يأتي بعدها.

أريد أن أكبر معكِ.

سيظهر الشيب في شعركِ، وربما تحاولين إخفاءه في البداية، ثم تتصالحين معه أو تتركينه كما هو. في الحالتين، لن أنظر إليه كشيء سرق منكِ جمالكِ. سأراه سجلًّا صامتًا للأيام التي عشتِها، للقلق الذي تجاوزتِه، وللضحكات التي طالت حتى تركت خطوطها حول عينيكِ. لن تكون تلك الخطوط عيوبًا أتحسر على غيابها القديم، بل تفاصيل جديدة في وجه تعلمتُ قراءته عبر العمر.

وسيتغير وجهي أنا أيضًا. ربما تخف كثافة شعري، وتتعب عيناي أسرع، ويصبح جسدي أقل قدرة على مجاراة ما يريد عقلي فعله. لا أريدكِ أن تطمئنيني بكلمات مبالغ فيها، ولا أن تتظاهري بأنكِ لا ترين التغيّر. يكفيني أن تنظري إليّ كإنسان لم تنقص قيمته لأن الزمن فعل ما يفعله بالجميع.

سنتعلم أن الجاذبية ليست اتفاقًا مؤقتًا بين وجهين شابين، بل ألفة تنمو بين شخصين حفظ كل منهما الآخر في مراحل كثيرة. ستكونين جميلة في عينيّ لأنني سأرى فيكِ المرأة التي عرفتها، والمرأة التي تغيّرت، والمرأة التي ما زلت أكتشفها. وسأحب أن يروي وجهكِ قصة لم أقرأها من بعيد، بل عشتُ جزءًا كبيرًا منها إلى جواركِ.

قد تتغير أجسادنا، وهذه حقيقة لا أريد تغليفها. ربما يزيد الوزن أو ينقص، وقد تظهر آثار مرض، أو جراحة، أو تعب طويل. سأشجعكِ على العناية بصحتكِ لأنني أريد لكِ حياة أريح، لا لأنني أطالب جسدكِ بأن يبقى مناسبًا لصورة قديمة. لن أجعل الطعام محكمة، ولا المرآة خصمًا، ولا العمر تهمة تحتاجين إلى الدفاع عنها.

جسدكِ ليس وعدًا قدّمته لي كي يبقى على هيئة واحدة.

إنه بيتكِ الذي حملكِ عبر سنواتكِ، ومن حقه أن يتغير، وأن يتعب، وأن يحتاج إلى الرحمة.

وسأطلب منكِ الرحمة نفسها تجاه جسدي. قد أمرّ بمرحلة أشعر فيها أنني لم أعد الرجل الذي كنتُه، أو أفقد شيئًا من القوة التي اعتدت الاعتماد عليها. في تلك اللحظات، لا أحتاج إلى شفقة، بل إلى نظرة تذكّرني بأن رجولتي ليست رقمًا في فحص طبي، ولا قدرة دائمة على حمل الأشياء، وإنما طريقة أتحمل بها مسؤوليتي وأحفظ بها كرامتكِ وكرامتي.

ربما تتغير أحلامنا أيضًا. هناك أهداف تبدو اليوم ضرورية، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت تناسب نسخة سابقة منّا. قد نتخلى عن خطة، أو نختار طريقًا أبسط، أو نجد السعادة في شيء لم يكن موجودًا ضمن حساباتنا. لن أتهمكِ بالتراجع كلما تغيّر طموحكِ، ولن أصرّ على أن نطارد حلمًا لم يعد يشبهنا لمجرد أننا أعلنّاه يومًا.

سنسمح لأنفسنا بإعادة الاختيار.

قد يصبح النجاح عندنا أقل صخبًا: صحة مستقرة، بيت هادئ، وقت نملكه، أو القدرة على النوم من دون قلق. وربما نكتشف أن بعض ما سعينا إليه لم يكن لنا أصلًا، بل كان محاولة لإرضاء عيون كثيرة لم تعش يومًا واحدًا من حياتنا. حينها أتمنى أن نملك الشجاعة الكافية لنضع ما يرهقنا جانبًا، حتى إن لم يفهم الآخرون.

لن تبقى أيامنا مشتعلة بالعاطفة طوال الوقت. أعرف ذلك، ولا أخشاه. سيأتي زمن نصبح فيه مألوفين لبعضنا إلى درجة أن وجودكِ في الغرفة يبدو جزءًا من نظام العالم. قد لا نقول كلامًا طويلًا كل مساء، وربما تكون محبتنا في أن تغطي قدميّ ببطانية حين أنام على الأريكة، أو أترك لكِ الجزء الذي تحبينه من الطعام من دون أن أسألكِ.

لكنني أخاف من نوع آخر من الاعتياد: أن نتوقف عن رؤية بعضنا لأننا ضمنّا البقاء.

لهذا سأحاول ألا أتعامل مع حضوركِ كشيء محسوم. سأشكركِ، وأعتذر لكِ، وأسألكِ عن يومكِ حتى بعد أن أحفظ تفاصيل روتينكِ. سأبقى منتبهًا إلى أن المرأة التي تعيش معي ليست قطعة من أثاث البيت، بل روح تتأثر وتتغير وتحتاج إلى أن تُرى.

وأتمنى أن تفعلي الأمر نفسه معي. إذا أصبحت أقل كلامًا، فلا تفترضي أنني لم أعد أملك ما أقوله. اسأليني عمّا يشغلني. وإذا كررتُ قصة سمعتِها من قبل، ابتسمي لي برفق، لكن لا تجعليني أشعر أن صوتي أصبح عبئًا. ربما لا أكرر الحكاية لأنني نسيت فقط، بل لأنني ما زلت أحب الطريقة التي تنظرين بها إليّ حين أرويها.

قد نختلف بعد عشرين عامًا حول الأمور نفسها التي نختلف بشأنها اليوم. سأترك الأضواء مشتعلة، وستضعين شيئًا في مكان ثم تصرين أنني نقلته. ربما يزداد عنادي، وربما تصبحين أقل صبرًا على بعض طباعي. لا أتخيل النضج سحرًا يلغي كل عيوبنا، لكنه يستطيع أن يعلمنا اختيار المعارك التي تستحق.

لن نحول كل إزعاج صغير إلى سؤال عن مستقبل العلاقة. سنعرف أن بعض الخلافات ليست إنذارًا، بل احتكاك طبيعي بين شخصين عاشا طويلًا بالقرب من بعضهما. سنعتذر حين نتجاوز، ونسخر أحيانًا من تكرارنا، ونتعلم أن السلام لا يعني غياب الاختلاف، بل القدرة على العودة بعده.

وإذا مرض أحدنا، أرجو ألا يتحول الآخر إلى ممرض فقط وينسى أنه حبيب أيضًا. سنلتزم بالمواعيد والأدوية والفحوص، لكننا سنحافظ وسط ذلك على الكلمة الطيبة، والنكتة الصغيرة، واليد التي تُمسك لا لتقيس النبض، بل لتقول إن الإنسان ما زال محبوبًا، لا مجرد حالة تحتاج إلى المتابعة.

قد يأتي يوم تحتاجين فيه إلى مساعدتي في أمر كنتِ تفعلينه وحدكِ بسهولة. لن أذكّركِ بقوتكِ القديمة بطريقة تجرحكِ، ولن أجعل خدمتي لكِ فضلًا أعلقه فوق الأيام. سأساعدكِ مع الحفاظ على استقلالكِ، وأسألكِ قبل أن أقرر عنكِ، وأتذكر أن الاحتياج لا يسلب الإنسان حقه في الاختيار.

وقد يأتي يوم أحتاجكِ فيه أنا. ربما تساعدينني على ارتداء معطفي، أو تذكرينني باسم شخص غاب عن ذاكرتي للحظة. أتمنى عندها ألا أخجل من حاجتي إليكِ، وألا تجرحكِ محاولتي للتمسك باستقلال لم يعد ممكنًا بالطريقة نفسها. سنتعلم شكلًا جديدًا من الشراكة، أقل غرورًا وأكثر حنانًا.

سيفقد بعضنا أشخاصًا نحبهم، وستصبح دوائرنا أصغر مع مرور السنوات. قد نعود من جنازة صامتين، أو نفتقد صوتًا كان جزءًا من مناسباتنا. لن أستعجل حزنكِ، ولن أقول إن العمر علّمنا الفقد وكأنه جعله سهلًا. بعض الغياب يزداد ثقله لأن وراءه تاريخًا طويلًا.

سأجلس إلى جواركِ ونحن نستعيد أسماء من رحلوا، وأترك للذكريات حقها في أن تؤلمنا وتدفئنا في الوقت نفسه. وسنحاول أن نصبح لبعضنا عائلة أكثر وعيًا بقيمة الأيام، لا خوفًا من النهاية، بل احترامًا للوقت الذي ما زال بين أيدينا.

أريد أن نسافر إن استطعنا، وأن نزور أماكن جديدة حتى إن كانت رحلتنا أبطأ. وإن لم نستطع، سنجد في مدينتنا شوارع لم ننتبه إليها، ومقهى صغيرًا يناسب جلستنا الطويلة، وحديقة نعود إليها في الموعد نفسه من كل عام. المغامرة لا تحتاج دائمًا إلى مسافة بعيدة؛ أحيانًا تحتاج إلى شخص ما زال فضوليًا تجاه الحياة.

وسأظل فضوليًا تجاهكِ.

سأسألكِ عمّا تغيّر فيكِ، وما الذي تفكرين فيه، وما الحلم الذي لم تخبريني به بعد. لن أفترض أنني عرفت كل شيء لمجرد أننا عشنا سنوات معًا. الإنسان أوسع من أن يُحفظ، والحب الأعمق ليس أن تنتهي من معرفة الآخر، بل أن تواصل الإصغاء إليه وهو يتشكل.

ربما يأتي مساء نجلس فيه ولا نتذكر بدقة متى بدأ كل هذا. تختلف روايتنا عن أول حديث، ويصر كل واحد منا على تاريخ مختلف. لكنني أتمنى أن نتفق على شيء واحد: أننا لم نترك الزمن يمر فوقنا فقط، بل عشنا داخله معًا.

لن تكون كل سنواتنا سعيدة، ولن تكون جميع قراراتنا صحيحة. سنرتكب أخطاء، ونضيّع فرصًا، ونقول كلامًا نتمنى لو عاد إلى أفواهنا. لكنني أريد أن نستطيع النظر خلفنا من دون أن نخجل من الطريقة التي أحببنا بها بعضنا. أن نعرف أننا حاولنا، وراجعنا أنفسنا، ولم نستخدم طول العشرة ذريعة لإهمال القلب.

وحين تصبح خطواتنا أبطأ، سأمشي بالسرعة التي تناسبنا.

لن أسبقكِ ثم أطلب منكِ اللحاق بي، ولن أترككِ خلفي كي أثبت أنني ما زلت قويًا. سنسير متجاورين، كما يجب أن يفعل شخصان عرفا أن الوصول ليس أهم من الطريقة التي قطعا بها الطريق.

وفي آخر العمر، لن أسألكِ إن كنتِ ما زلتِ المرأة التي أحببتُها أول مرة.

ستكونين قد تغيّرتِ كثيرًا، وسأكون قد تغيّرتُ أيضًا.

لكنني سأنظر إليكِ وأعرف أنني أحببتُ جميع النساء اللواتي صرتِ إليهن، واحدة بعد أخرى، وأنكِ أحببتِ جميع الرجال الذين كنتُهم وأنا أحاول أن أنضج إلى جواركِ.

ذلك هو العمر الذي أتمناه:

ألا نبقى كما نحن، بل أن نتغير كثيرًا، ونظل مع كل تغير قادرين على اختيار بعضنا من جديد.

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق